إنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ الَّذِي شَرِبَتْ مِنْهُ بَهِيمَةٌ طَاهِرَةُ الْعَيْنِ، أَوْ لَامَسَهُ آدَمِيٌّ فِي حَالِ حَيْضٍ أَوْ جَنَابَةٍ، أَوْ فَضَلَ عَنْ غُسْلِهِمَا أَوْ وُضُوئِهِمَا، يَجُوزُ التَّطَهُّرُ بِهِ بِلَا كَرَاهَةٍ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْيَانَ طَاهِرَةٌ، وَفَضَلَاتُ شُرْبِهِمَا أَوْ طَهَارَتِهِمَا تَبْقَى دَاخِلَةً فِي حَدِّ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ. وأَنَّ الْبَقِيَّةَ الْمُتَخَلِّفَةَ عَنْ شُرْبِ كُلِّ ذَاتِ أَرْبَعِ قوائمَ أَوْ حَيٍّ غَيْرِ مُمَيِّزٍ، وَكَذَا بَقِيَّةُ شُرْبِ الشَّخْصِ الْمُتَّصِفِ بِالْحَيْضِ أَوِ الْجَنَابَةِ (مُنْفَرِدِينَ أَوْ مُجْتَمِعِينَ)، وَالْمَاءَ الْفَاضِلَ عَنْ رَفْعِ حَدَثِهِمَا؛ كُلُّ ذَلِكَ مَاءٌ مُطْلَقٌ صَالِحٌ لِرَفْعِ الْحَدَثِ وَحُكْمِ الْخَبَثِ.
وَمِثَالُهَا 1 : إِناءٌ فِيهِ مَاءٌ يَسِيرٌ، اغْتَسَلَتْ مِنْهُ امْرَأَةٌ لِرَفْعِ حَدَثِ الْحَيْضِ، أَوْ رَجُلٌ لِرَفْعِ الْجَنَابَةِ بِالِاغْتِرَافِ مِنْهُ، فَفَضَلَتْ بَقِيَّةٌ مِنَ الْمَاءِ لَمْ تُغَيِّرْهَا نَجَاسَةٌ، فَيَسْتَعْمِلُهُ مُكَلَّفٌ آخَرُ لِوُضُوئِهِ.
وَمِثَالُهَا 2 : إِناءٌ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ شَرِبَتْ مِنْهُ بَهِيمَةٌ جَلَّالَةٌ، أَوْ اغْتَسَلَتْ مِنْهُ امْرَأَةٌ لِرَفْعِ جَنَابَتِهَا، فَبَقِيَتْ فِيهِ فَضْلَةٌ لَمْ تَتَغَيَّرْ صِفَاتُهَا النَّفْسِيَّةُ، فَيَعْمِدُ إِلَيْهِ الْمُكَلَّفُ لِيَتَوَضَّأَ بِهِ.
وَتَعُودُ لَفْظَةُ السّؤْرِ فِي النَّصِّ إِلَى الْمَذْكُورَاتِ الثَّلَاثِ الَّتِي هِيَ الْبَهِيمَةُ وَالْحَائِضُ وَالْجُنُبُ حَيْثُ يَشْمَلُهَا حُكْمُ الطَّهَارَةِ لِعَدَمِ وُجُودِ النَّجَاسَةِ فِيهَا أَمَّا لَفْظَةُ فَضْلَةِ طَهَارَتِهِمَا فَإِنَّ الضَّمِيرَ فِيهَا يَعُودُ خَاصَّةً عَلَى الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ دُونَ الْبَهِيمَةِ لِأَنَّ الْبَهِيمَةَ لَا تَتَّصِفُ بِرَفْعِ الْحَدَثِ وَلَا تَجْرِي عَلَيْهَا أَحْكَامُ الطَّهَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي هِيَ مِنْ خَصَائِصِ الْمُكَلَّفِينَ مِنَ الآدَمِيِّينَ
بِقِيَاسِ سُؤْرِ الْبَهِيمَةِ غَيْرِ مَأْكُولَةِ اللَّحْمِ (كَالْحِمَارِ وَالْبَغْلِ) عَلَى سُؤْرِ الْهِرَّةِ؛ وَالْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ بَيْنَهُمَا هِيَ "الطَّوَافُ عَلَى أَهْلِ الدُّورِ وَالْحَاجَةُ إِلَى الِاسْتِعْمَالِ مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِ النَّجَاسَةِ"، فَيَكُونُ سُؤْرُهَا طَاهِرًا طَهُورًا بِلَا كَرَاهَةٍ. وبِاسْتِصْحَابِ أَصْلِ الْخِلْقَةِ فِي الْمِيَاهِ وَهُوَ "الطَّهُورِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ"، فَالْمَاءُ لَمْ يَلْتَقِ بِمَا يُغَيِّرُهُ فَيُسْتَصْحَبُ حُكْمُهُ الْأَوَّلُ تَمَسُّكًا بِالْيَقِينِ.
قَضِيَّةُ الْمَسْأَلَةِ : (كُلِّيَّةٌ مُوجَبَةٌ) وَذَلِكَ لِأَنَّهَا تَقْضِي بِأَنَّ كُلَّ مَاءٍ فَضَلَ عَنْ طَهَارَةِ حَائِضٍ أَوْ جُنُبٍ فَهُوَ مَاءٌ جَائِزُ الِاسْتِعْمَالِ دُونَ كَرَاهَةٍ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ.
وَمَوْضُوعُهَا : (الْمَاءُ الْقَلِيلُ الَّذِي هُوَ سُؤْرُ بَهِيمَةٍ أَوْ حَائِضٍ أَوْ جُنُبٍ أَوْ فَضْلَةُ طَهَارَتِهِمَا).
وَمَحْمُولُهَا : (الْبَقَاءُ عَلَى أَصْلِ الطَّهُورِيَّةِ بِلَا كَرَاهَةٍ) وَالنِّسْبَةُ إِثْبَاتُ الْبَقَاءِ عَلَى أَصْلِ الطَّهُورِيَّةِ بِلَا كَرَاهَةٍ لِلْمَاءِ الْقَلِيلِ الَّذِي هُوَ سُؤْرُ بَهِيمَةٍ أَوْ حَائِضٍ أَوْ جُنُبٍ أَوْ فَضْلَةُ طَهَارَتِهِمَا حَيْثُ جَرَى رَبْطُ حُكْمِ الْعَدَمِ الْكَرَاهَةِ بِهَذِهِ الذَّوَاتِ لِتَقْرِيرِ اسْتِمْرَارِ صِفَةِ النَّظَافَةِ وَالشَّرْعِيَّةِ فِيهَا وَعَدَمِ تَأْثِيرِ أَوْصَافِ الْبَشَرَةِ أَوْ اللُّعَابِ الطَّاهِرِ فِي إِزَالَةِ صِفَةِ الْإِطْلَاقِ عَنِ الْمَاءِ عِنْدَ عَدَمِ التَّغَيُّرِ الَّذِي هُوَ مَنَاطُ الْأَحْكَامِ فِي بَابِ الطَّهَارَةِ
ولِأَنَّ مَنْ مَنَعَ التَّطَهُّرَ بِفَضْلَةِ الْمَرْأَةِ حَصَرَ الْمَاءَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَاءً لَمْ يَمَسَّهُ بَدَنُ امْرَأَةٍ فَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ، أَوْ مَاءً خَلَتْ بِهِ فَيَحْرُمُ أَوْ يُكْرَهُ نَظِيرًا لِمَذْهَبِ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ، وَهَذَا حَصْرٌ زَائِفٌ يُغْفِلُ جَوَازَهُ الْمُطْلَقَ الَّذِي قَرَّرَهُ أَعْلَامُ الْمَذْهَبِ بِنَاءً عَلَى طَهَارَةِ الذَّاتِ، وَالْمُعْتَمَدُ إِبْطَالُ هَذَا التَّقْسِيمِ الثُّنَائِيِّ الضَّيِّقِ. وَهذِهِ مُغَالَطَةُ (الْإِحْرَاجِ الزَّائِفِ) في عِلْمِ الْمَنْطق
صِيغَةُ ( سُؤْرَ ) بِضَمِّ السِّينِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ مَصْدَرٌ جَرَى مَجْرَى الِاسْمِ لِلْمُتَبَقِّي، وَيَجُوزُ فِيهِ نَحْوِيًّا تَسْهِيلُ الْهَمْزَةِ وَقَلْبُهَا وَاوًا لِلْخِفَّةِ (سُورَ) فَيَكُونُ مَنْصُوبًا بِاعْتِبَارِهِ مَعْطُوفًا عَلَى مَعْمُولِ (كَانَ) الْمُقَدَّرَةِ.
وَالنَّظَرُ الْفِقْهِيُّ لِلْمَسْأَلَةِ : يَنْظُرُ إِلَى أَنَّ الْأَعْيَانَ الْحَيَّةَ طَاهِرَةٌ بِبِنَاءِ الْأَصْلِ، وَأَنَّ وُرُودَ عَقَبَاتٍ تَعَبُّدِيَّةٍ (كَالْحَدَثِ) أَوْ عَادِيَّةٍ (كَأَكْلِ النَّجَاسَةِ) لَا يُزِيلُ وَصْفَ الْإِطْلَاقِ عَنِ الْمَاءِ الْمُجَاوِرِ مَا لَمْ يَحْدُثْ نَاقِلٌ حِسِّيٌّ.
وَمَنَاطَاتُ الْمَسْأَلَةِ : عَدَمُ تَحَقُّقِ اِنْتِقَالِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ إِلَى الْمَاءِ الْقَلِيلِ بِيَقِينٍ، وَالِاعْتِمَادُ عَلَى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ الْأَصْلِيَّةِ.
نعَقْدُ مُقَارَنَةٍ فِقْهِيَّةٍ بَيْنَ شَرْحَيِ الْعَلَّامَةِ عِلِيشٍ (مَنَحِ الْجَلِيلِ) وَالْعَلَّامَةِ الدَّرْدِيرِ (الشَّرْحِ الْكَبِيرِ) فِي حُكْمِ طَهَارَةِ سُؤْرِ الْبَهِيمَةِ وَالْحَائِضِ وَالْجُنُبِ وَفَضْلَةِ طَهَارَتِهِمَا، مَعَ بَيَانِ الْخِلَافِ
أَوَّلًا: مَنْهَجُ الْعَلَّامَةِ الدَّرْدِيرِ فِي (الشَّرْحِ الْكَبِيرِ):
مَشَى الْعَلَّامَةُ الدَّرْدِيرُ عَلَى طَاهِرِ لَفْظِ الْمُخْتَصَرِ، فَقَرَّرَ أَنَّ سُؤْرَ الْبَهِيمَةِ وَالْحَائِضِ وَالْجُنُبِ وَفَضْلَةِ طَهَارَتِهِمَا طَاهِرٌ طَهُورٌ بِلَا كَرَاهَةٍ، لَكِنَّهُ قَيَّدَ جَوَازَ سُؤْرِ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَا "شَارِبَيِ الْخَمْرِ" إِذَا شَرِبَا مِنَ الْمَاءِ فَوْرَ الشُّرْبِ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ وَثَبَتَتِ النَّجَاسَةُ عَلَى أَفْوَاهِهِمَا نَجِسَ الْمَاءُ الْقَلِيلُ، وَإِنْ لَمْ تَتَحَقَّقْ وَتُوُهِّمَتْ كُرِهَ، كَمَا كُرِهَ عِنْدَهُ سُؤْرُ "مَا لَا يَتَوَقَّى النَّجَاسَةَ" كَالْجَلَّالَةِ وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ إِذَا كَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا.
ثَانِيًا: مَنْهَجُ الْعَلَّامَةِ عِلِيشٍ فِي (مَنَحِ الْجَلِيلِ):
وَافَقَ الْعَلَّامَةُ عِلِيشٌ الدَّرْدِيرَ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ، لَكِنَّ عِلِيشًا تَوَسَّعَ فِي تَفْصِيلِ فَضْلَةِ الطَّهَارَةِ، فَنَقَلَ عَنِ اللَّخْمِيِّ فِيمَنْ تَوَضَّأَ بِفَضْلِ الْحِمَارِ أَوِ الْبَغْلِ أَنَّ غَيْرَهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْهُ عِنْدَ الِاخْتِيَارِ، وَلَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ. كَمَا أَكَّدَ أَنَّ كَرَاهَةَ سُؤْرِ شَارِبِ الْخَمْرِ أَوِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي لَا تَتَوَقَّى النَّجَاسَةَ مَشْرُوطَةٌ بِـ "قِلَّةِ الْمَاءِ" وَ"عَدَمِ عُسْرِ الِاحْتِرَازِ"، فَإِنْ عَسُرَ الِاحْتِرَازُ (كَالْهِرَّةِ وَالْفَأْرَةِ) سَقَطَتِ الْكَرَاهَةُ قَوْلًا وَاحِدًا.
ثَالِثًا: تَحْرِيرُ الْخِلَافِ مِنْ شَرْحِ الْجَلِيلِ الْمَجْلِسِيِّ (لَوَامِعِ الدُّرَرِ فِي هَتْكِ أَسْتَارِ الْمُخْتَصَرِ):
يُبَيِّنُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ سَالِمٍ الْمَجْلِسِيُّ فِي "لَوَامِعِ الدُّرَرِ" أَنَّ قَوْلَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ (أَوْ كَانَ سُؤْرَ بَهِيمَةٍ) يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ لَا يَضُرُّهُ هَذَا الْمُخَالِطُ، وَيُحَرِّرُ الْخِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ نَاقِلًا عَنِ "الْمُدَوَّنَةِ" جَوَازَ الْوُضُوءِ بِسُؤْرِ الدَّوَابِّ وَأَنَّ حُكْمَهُ وَحُكْمَ غَيْرِهِ سَوَاءٌ. وَيَذْكُرُ الْمَجْلِسِيُّ قَوْلًا بِالْكَرَاهَةِ عَنِ اللَّخْمِيِّ فِي سُؤْرِ غَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ كَالْحِمَارِ وَالْبَغْلِ، حَيْثُ رَأَى اللَّخْمِيُّ أَنَّ غَيْرَ هَذَا السُّؤْرِ أَحَبُّ إِلَيْهِ.
أَمَّا فِي فَقَرَةِ (فَضْلَةِ طَهَارَتِهِمَا)، فَيَكْشِفُ الْمَجْلِسِيُّ عَنْ خِلَافٍ حَكَّاهُ صَاحِبُ "الْوَسَطِ وَالْكَبِيرِ" بِأَنَّ هُنَاكَ قَوْلًا بَعِيدًا يَمْنَعُ التَّطَهُّرَ بِفَضْلِ طَهُورِ الْحَائِضِ، وَقَالَ إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَا يَبْعُدُ جَرَيَانُهُ أَيْضًا فِي فَضْلِ طَهَارَةِ الْجُنُبِ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُورُ وَالْمُعْتَمَدُ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ هِوَ الْجَوَازُ بِلَا كَرَاهَةٍ تَمَسُّكًا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَعُمُومِ أَدِلَّةِ الطَّهَارَةِ.
فَتَحَصَّلَ مِنَ الْمُقَارَنَةِ أَنَّ:
الْمُعْتَمَدُ : طَهُورِيَّةُ سُؤْرِ الْبَهِيمَةِ وَالْآدَمِيِّ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ وَفَضْلَةِ طَهَارَتِهِمَا بِلَا كَرَاهَةٍ، وَهُوَ مَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ خَلِيلٌ، وَقَرَّرَهُ الدَّرْدِيرُ وَعِلِيشٌ، وَأَسْنَدَهُ الْمَجْلِسِيُّ إِلَى نَصِّ الْمُدَوَّنَةِ.
الْقَوْلُ الْمُقَابِلُ : كَرَاهَةُ سُؤْرِ غَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ (عَنِ اللَّخْمِيِّ كَمَا نَقَلَهُ عِلِيشٌ وَالْمَجْلِسِيُّ)، وَقَوْلٌ مَرْجُوحٌ بِعِيدٌ بِمَنْعِ التَّطَهُّرِ بِفَضْلِ طَهُورِ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ (كَمَا كَشَفَهُ الْمَجْلِسِيُّ فِي هَتْكِ أَسْتَارِ الْمُخْتَصَرِ).
التَّرْجِيحُ حَسَبَ قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ : حَسَبَ الدَّلِيلِ الْأُصُولِيِّ فَإِنَّ مَا نَصَّتْ عَلَيْهِ الْمُدَوَّنَةُ هُوَ الرَّاجِحُ لِمُوَافَقَتِهِ النُّصُوصَ الصَّحِيحَةَ النَّبَوِيَّةَ، وَالْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ أَوِ الْمَنْعِ ضَعِيفٌ لَا يَقْوَى عَلَى مُعَارَضَةِ الْأَصْلِ الْمُتَيَقَّنِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الشُّرَّاحِ.
تَحْلِيلُ الْمَسْأَلَةِ مَنْطِقِيًّا :
أَوَّلًا : الْقِيَاسُ الِاقْتِرَانِيُّ الْحَمْلِيُّ - الشَّكْلُ الْأَوَّلُ :
مُقَدِّمَةٌ كُبْرَى : كُلُّ سُؤْرٍ لِعَيْنٍ طَاهِرَةٍ لَمْ تُمَازِجْهُ نَجَاسَةٌ فَهُوَ طَهُورٌ غَيْرُ مَكْرُوهٍ.
مُقَدِّمَةٌ صُغْرَى : سُؤْرُ الْبَهِيمَةِ وَالْحَائِضِ وَالْجُنُبِ هُوَ سُؤْرٌ لِعَيْنٍ طَاهِرَةٍ لَمْ تُمَازِجْهُ نَجَاسَةٌ.
نَتِيجَةٌ : سُؤْرُ الْبَهِيمَةِ وَالْحَائِضِ وَالْجُنُبِ هُوَ طَهُورٌ غَيْرُ مَكْرُوهٍ.
الْقِيَاسُ الِاقْتِرَانِيُّ الشَّرْطِيُّ الْمُتَّصِلُ :
(إِذَا ثَبَتَ أَنَّ أَبْدَانَ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ طَاهِرَةٌ، ثَبَتَ أَنَّ فَضْلَةَ طَهَارَتِهِمَا طَهُورٌ بِلَا كَرَاهَةٍ) وَذَلِكَ لِأَنَّ تَبَعِيَّةَ الْفَضْلَةِ لِلْأَصْلِ تَقْتَضِي عَدَمَ اِنْفِكَاكِ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ فِي صِفَةِ الطَّهَارَةِ.
الْقِيَاسُ الِاقْتِرَانِيُّ الْمُنْفَصِلُ :
(إِمَّا أَنْ تَكُونَ فَضْلَةُ طَهَارَةِ الْمَرْأَةِ مَكْرُوهَةً عِنْدَ خَلْوَتِهَا أَوْ جَائِزَةً جَوَازًا مُطْلَقًا) وَذَلِكَ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ مُنْحَصِرٌ بَيْنَ الْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ مَعَ الْخَلْوَةِ وَبَيْنَ نَفْيِ الْكَرَاهَةِ مُطْلَقًا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
ثَانِيًا : الْقِيَاسُ الِاسْتِثْنَائِيُّ :
الِاسْتِثْنَائِيُّ الْمُتَّصِلُ :
(لَوْ كَانَ سُؤْرُ الْبَهِيمَةِ مَكْرُوهًا لَوَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ عِنْدَ مُلَابَسَتِهِ لِلْإِنَاءِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَرِدْ نَهْيٌ صَحِيحٌ نَاقِلٌ، فَيَنْتَجُ: سُؤْرُ الْبَهِيمَةِ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ) وَذَلِكَ لِانْتِفَاءِ التَّالِي فَيَنْتَفِي الْمُقَدَّمُ.
الِاسْتِثْنَائِيُّ الْمُنْفَصِلُ :
(إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَاءُ الْفَضْلَةِ خَارِجًا عَنِ الْإِطْلَاقِ أَوْ بَاقِيًا عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ بَاقٍ عَلَى إِطْلَاقِهِ لِعَدَمِ التَّغَيُّرِ، فَيَنْتَجُ: لَيْسَ خَارِجًا عَنِ الْإِطْلَاقِ) وَذَلِكَ بِإِبْطَالِ الشِّقِّ الْأَوَّلِ عَقْلًا فَيَتَعَيَّنُ الثَّانِي.
ثَالِثًا : الْقِيَاسُ التَّمْثِيلِيُّ (الْفِقْهِيُّ: إِلْحَاقُ فَرْعٍ بِأَصْلٍ) :
(إِلْحَاقُ فَضْلَةِ طَهَارَةِ الْحَائِضِ (فَرْعٌ) بِـ فَضْلَةِ طَهَارَةِ الرَّجُلِ الصَّائِمِ (أَصْلٌ)) وَذَلِكَ لِاتِّحَادِهِمَا فِي عِلَّةِ "طَهَارَةِ عَيْنِ الْمُتَطَهِّرِ مَعَ الْبَقَاءِ عَلَى الْأَصْلِ فِي الْمَاءِ الْمَخْلُوفِ".
وَمِنَ الْمَقُولَاتِ الْعَشْرِ :
فَهِيَ مَقُولَةُ (الْكَيْفِ) وَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الطَّهَارَةِ الْحُكْمِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِالْمَاءِ، وَمَقُولَةُ (الْأَيْنِ) وَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ وُجُودِ الْمَاءِ الْمُتَبَقِّي دَاخِلَ الْإِنَاءِ بَعْدَ فَرَاغِ الْغُسْلِ.
تَحْلِيلُ الْمَسْأَلَةِ :
أَوَّلًا : التَّحْلِيلُ الْفِقْهِيُّ :
وَالنَّظَرُ الْفِقْهِيُّ لِلْمَسْأَلَةِ : يَتَقَرَّرُ بِأَنَّ عَيْنَ الْآدَمِيِّ مُكَرَّمَةٌ طَاهِرَةٌ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَأَنَّ رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ (كَالْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ) لَا يَجْعَلُ بَدَنَ الْمُتَطَهِّرِ مُؤَثِّرًا سَلْبًا فِي طَهُورِيَّةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ.
وَمَنَاطَاتُ الْمَسْأَلَةِ : هِيَ "سَلَامَةُ الْمَاءِ مِنَ التَّغَيُّرِ" وَ"بَقَاءُ لُعَابِ الْبَهِيمَةِ أَوْ بَشَرَةِ الآدَمِيِّ عَلَى أَصْلِ الطَّهَارَةِ لِعَدَمِ مُخَالَطَةِ النَّجَاسَةِ الْعَيْنِيَّةِ".
ثَانِيًا : التَّحْلِيلُ بِالدَّلَالَاتِ وَالْمَفَاهِيمِ :
1. مَفْهُومُ الشَّرْطِ : وَذَلِكَ فِي تَقْيِيدِ عَدَمِ الْكَرَاهَةِ بِشَرْطِ سَلَامَةِ أَفْوَاهِ الشَّارِبِينَ مِنَ النَّجَاسَةِ (كَمَا سَيَأْتِي فِي قَيْدِ شَارِبِ الْخَمْرِ)، فَإِنْ فُقِدَ الشَّرْطُ وَتَحَقَّقَتِ النَّجَاسَةُ زَالَ حُكْمُ الطَّهَارَةِ.
2. دَلَالَةُ الْإِشَارَةِ : فِي عَطْفِ (الْحَائِضِ) عَلَى (الْبَهِيمَةِ) إِشَارَةٌ إِلَى رَدِّ مَا كَانَ يَعْتَقِدُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ وَبَعْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ قَذَارَةِ الْحَائِضِ وَعَزْلِهَا، فَبَيَّنَ النَّصُّ الْفِقْهِيُّ أَنَّ سُؤْرَهَا كَسُؤْرِ الْبَهِيمَةِ الطَّاهِرَةِ السَّالِمَةِ عَنِ الْخَبَثِ.
الْفَوَائِدُ والنِّكاتُ :
النُّكْتَةُ الْأُصُولِيَّةُ : بِنَاءُ الْأَحْكَامِ عَلَى الْأَعْيَانِ لَا يَلْحَقُهُ الْوَصْفُ الطَّارِئُ غَيْرُ النَّاقِلِ، فَالْحَيْضُ وَالْجَنَابَةُ أَوْصَافٌ حُكْمِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِالْمُكَلَّفِ لَا تَتَعَدَّى إِلَى تَنْجِيسِ الْمِيَاهِ أَوْ تَكْرِيهِهَا بِمُجَرَّدِ الْمُلَامَسَةِ، لِأَنَّ النَّجَاسَةَ الِاعْتِبَارِيَّةَ لَا تُؤَثِّرُ فِي الْأَجْسَامِ الْمَائِعَةِ.
النُّكْتَةُ الْبَلَاغِيَّةُ : فِي قَوْله ( فَضْلَةَ طَهَارَتِهِمَا ) إِيجَازُ قَصْرٍ، حَيْثُ جَمَعَ اللَّفْظُ الْقَلِيلُ مَعَانِيَ كَثِيرَةً تَشْمَلُ فَضْلَةَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَسَوَاءٌ جَرَى ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الِانْفِرَادِ أَوْ الِاشْتِرَاكِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الِاغْتِرَافُ مَعًا أَوْ تَعَاقُبًا.
وفِي قَوْلِهِ ( سُؤْرَ بَهِيمَةٍ ) مَجَازٌ مُرْسَلٌ عَلَاقَتُهُ "الْمُجَاوَرَةُ"، لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالطَّهَارَةِ أَوِ النَّجَاسَةِ يَقَعُ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى لُعَابِ الْفَمِ وَرُطُوبَتِهِ الَّتِي تُجَاوِرُ الْمَاءَ حَالِ الشُّرْبِ، لَا عَلَى ذَاتِ السُّؤْرِ الَّذِي هُوَ الْبَقِيَّةُ اللَّفْظِيَّةُ.
النُّكْتَةُ النَّحْوِيَّةُ : قَوْلُهُ ( فَضْلَةَ ) مَنْصُوبٌ بِالْعَطْفِ عَلَى خَبَرِ كَانَ وَهُوَ ( سُؤْرَ )، وَالضَّمِيرُ فِي ( طَهَارَتِهِمَا ) يَعُودُ عَلَى الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ، وَقَدْ أُوعِبَ هُنَا تَثْنِيَةُ الضَّمِيرِ لِعَوْدِهِ عَلَى مُتَقَدِّمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى.
الْأَدِلَّةُ مِنْ :
1. الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ :
{مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ}
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ : أَنَّ الْقَوْلَ بِكَرَاهَةِ فَضْلَةِ طَهَارَةِ النِّسَاءِ أَوْ سُؤْرِ الْبَهَائِمِ الْمُخَالِطَةِ لِلنَّاسِ يُوجِبُ الضِّيقَ وَالْحَرَجَ، وَالْآيَةُ نَصَّتْ عَلَى رَفْعِهِ، فَيَبْقَى الْمَاءُ مُطَهِّرًا بِلَا كَرَاهَةٍ.
{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ : أَنَّ اللَّفْظَ جَاءَ نَكِرَةً فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَيُفِيدُ الْعُمُومَ، وَالْمَاءُ الْمَسْؤُورُ أَوْ الْفَاضِلُ عَنِ الطَّهَارَةِ مَاءٌ حَقِيقَةً، فَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ إِلَى التَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِهِ.
2. السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ :
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ × مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ.
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ : دَلَّ الْحَدِيثُ دَلَالَةً صَرِيحَةً عَلَى جَوَازِ التَّطَهُّرِ بِفَضْلَةِ طَهَارَةِ الْجُنُبِ، وَأَنَّ اِغْتِرَافَ الْمَرْأَةِ الْجُنُبِ أَوِ الْحَائِضِ مِنَ الْإِنَاءِ لَا يُكْسِبُ الْمَاءَ كَرَاهَةً وَلَا يَنْقُلُهُ عَنْ وَصْفِ الطَّهُورِيَّةِ.
ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: ( كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَيُبَادِرُنِي حَتَّى أَقُولُ لَهُ دَعْ لِي دَعْ لِي وَهَمَا جُنُبَانِ ) ×.
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ : الدَّلَالَةُ الْقَطْعِيَّةُ عَلَى جَوَازِ الِاغْتِرَافِ الْمُشْتَرَكِ مِنَ الْإِنَاءِ الْوَاحِدِ حَالِ الْجَنَابَةِ، وَتَصْيِيرِ الْبَاقِي فَضْلَةَ طَهَارَةٍ دُونَ أَنْ يَقْدَحَ ذَلِكَ فِي طَهُورِيَّتِهِ.
بَيَانُ الْخِلَافِ فِي الْمَذْهَبِ :
تَحْرِيرُ الْأَقْوَالِ وَفْقًا لِلِاسْتِقْرَاءِ الْأَكَادِيمِيِّ لِلشُّرُوحِ:
أَوَّلًا: حُكْمُ سُؤْرِ الْبَهِيمَةِ:
الْمُعْتَمَدُ والمشْهُورُ: جَوَازُ الْوُضُوءِ وَالتَّطَهُّرِ بِسُؤْرِ الدَّوَابِّ كُلِّهَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَهُوَ مَا نَصَّتْ عَلَيْهِ "الْمُدَوَّنَةُ" بِقَوْلِهَا: (هُوَ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ)، وَعَلَيْهِ مَشَى الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي إِطْلَاقِهِ.
الْقَوْلُ الثَّانِي (رِوَايَةُ اِبْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ): كَرَاهَةُ التَّطَهُّرِ بِسُؤْرِ غَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ كَالْحِمَارِ وَالْبَغْلِ وَالْفَرَسِ عِنْدَ الِاخْتِيَارِ، وَجَوَازُهُ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ، وَقَدْ حَكَى اللَّخْمِيُّ هَذَا الْقَوْلَ بِصِيغَةِ (غَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ)، وَأَشَارَ إِلَيْهِ خَلِيلٌ بِالْمُبَالَغَةِ.
تَفْصِيلُ الْجَلَّالَةِ: اِتَّفَقَتِ النُّصُوصُ عَلَى أَنَّ سُؤْرَ الْجَلَّالَةِ (مَا لَا يَتَوَقَّى النَّجَسَ) بَاقٍ عَلَى إِطْلَاقِهِ وَطَهُورِيَّتِهِ، لَكِنَّهُ "مَكْرُوهُ الِاسْتِعْمَالِ" فِي الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ لِتَوَقُّعِ وُجُودِ النَّجَاسَةِ فِي فَمِهَا، مَا لَمْ يَعْسُرِ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا فَتَسْقُطُ الْكَرَاهَةُ كَالْهِرَّةِ.
ثَانِيًا: حُكْمُ سُؤْرِ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ وَفَضْلَةِ طَهَارَتِهِمَا:
حَصَّلَ الْإِمَامُ اِبْنُ رُشْدٍ الْخِلَافَ فِي وُضُوءِ الرَّجُلِ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ وَعَكْسِهِ عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ مَذْهَبِيَّةٍ:
الْقَوْلُ الْأَوَّلُ (قَوْلُ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ): الْجَوَازُ الْمُطْلَقُ لِوُضُوءِ الرَّجُلِ بِفَضْلَةِ الْمَرْأَةِ وَعَكْسِهِ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي تَقْرِيرِ هَذِهِ الطَّهُورِيَّةِ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: الْمَنْعُ الْمُطْلَقُ، فَلَا يَتَوَضَّأُ أَحَدُهُمَا بِفَضْلَةِ صَاحِبِهِ تَعَبُّدًا.
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: التَّفْرِيقُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، فَتَتَوَضَّأُ الْمَرْأَةُ بِفَضْلَةِ الرَّجُلِ، وَلَا يَتَوَضَّأُ الرَّجُلُ بِفَضْلَةِ الْمَرْأَةِ (وَهُوَ مَذْهَبُ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ).
الْقَوْلُ الرَّابِعُ: اِشْتِرَاطُ الشُّرُوعِ مَعًا، فَيَجُوزُ إِذَا شَرَعا جَمِيعًا فِي الِاغْتِرَافِ مِنَ الْإِنَاءِ، وَيُمْنَعُ عِنْدَ الِانْفِرَادِ.
الْقَوْلُ الْخَامِسُ: مَنْعُ التَّطَهُّرِ بِالْفَضْلَةِ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ جُنُبًا أَوِ الْمَرْأَةُ حَائِضًا أَوْ جُنُبًا، وَجَوَازُهُ فِي حَالِ طَهَارَةِ الْخَبَثِ أَوِ التَّجْدِيدِ.
ثَالِثًا: حُكْمُ مَا أَنْتَضَحَ فِي الْإِنَاءِ حَالِ الْغُسْلِ:
نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: جَوَازُ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الَّذِي تَنَاثَرَتْ مِنْهُ قَطَرَاتٌ عَنْ جَسَدِ الْمُغْتَسِلِ الْجُنُبِ فِي إِنَائِهِ لِعِلَّةِ عَدَمِ اسْتِطَاعَةِ الِاحْتِرَازِ، وَنَقَلَ صَاحِبُ "الطِّرَازِ" أَنَّ مَا تَطَايَرَ سَوَاءٌ كَانَ عَنِ الْجَسَدِ أَوْ عَنِ الْأَرْضِ لَا يَضُرُّ مَا لَمْ تَتَحَقَّقْ فِيهِ عَيْنُ النَّجَاسَةِ.
تَأْوِيلُ اِبْنِ نَاجِي (عَنِ اِبْنِ عَرَفَةَ وَاِبْنِ رُشْدٍ): حَمْلُ نَصِّ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى أَنَّ الْعَفْوَ يَجْرِي فِيمَا إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ نَجَاسَةٌ حُكْمِيَّةٌ أَوْ خَفِيفَةٌ عَلَى بَدَنِ الْجُنُبِ، فَمَسَّهَا الْمَاءُ ثُمَّ رُدَّ إِلَى الْإِنَاءِ حَالِ التَّدَلُّكِ فَإِنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ وُصِفَ بِالْبُعْدِ عِنْدَ الْحَطَّابِ وَاِبْنِ نَاجِي.
التَّرْجِيحُ حَسَبَ قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ : حَسَبَ الدَّلِيلِ الْأُصُولِيِّ فَإِنَّ الْقَوْلَ بِالْجَوَازِ الْمُطْلَقِ دُونَ كَرَاهَةٍ هُوَ الرَّاجِحُ لِقُوَّةِ سَنَدِهِ مِنْ نَصِّ عُمُومِ "الْمُدَوَّنَةِ" الَّتِي تُمَثِّلُ رَكِيزَةَ الْمَذْهَبِ، وَلِأَنَّ الْأَقْوَالَ الْمُقَابِلَةَ إِمَّا رِوَايَاتٌ مَرْجُوحَةٌ (كَرِوَايَةِ اِبْنِ وَهْبٍ) أَوْ أَقْوَالٌ تَخْرِيجِيَّةٌ بَعِيدَةٌ لَا تَقْوَى عَلَى دَفْعِ الْأَصْلِ الْمُتَيَقَّنِ وَهُوَ طَهُورِيَّةُ الْمَاءِ.