جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.
..
..
..
..
..
~
..
..
..
..
..
انضم لطلبة العلم

حكم الماء المتغير برائحة قطران وعاء المسافر

حُكْمُ المَاءِ المُتَغَيِّرِ بِرَائِحَةِ قَطِرَانِ وِعَاءِ مُسَافِرٍ 
وَتَتَعَلَّقُ: بِحُكْمِ بَقَاءِ طَهُورِيَّةِ المَاءِ إِذَا تَغَيَّرَ رِيْحُهُ فَقَطْ بِسَبَبِ مَادَّةِ القَطِرَانِ المَوْضُوعَةِ فِي الإِنَاءِ لِإِصْلَاحِهِ أَوْ حِفْظِهِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ أَمْ فِي الحَضَرِ، وَبَيَانِ أَثَرِ كَوْنِ القَطِرَانِ دِبَاغًا لِلْوِعَاءِ أَوْ غَيْرَ دِبَاغٍ.
 أَشَارَ إِلَيْهَا الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: (أَوْ بِرَائِحَةِ قَطِرَانِ وِعَاءِ مُسَافِرٍ)
 وَمَعْنَاهَا: أَنَّ المَاءَ إِذَا جُعِلَ فِي وِعَاءٍ (كَالقِرْبَةِ وَالشَّنَّةِ) وَقَدْ طُلِيَ هَذَا الوِعَاءُ بِالقَطِرَانِ، فَأَوْرَثَ ذَلِكَ تَغَيُّرًا فِي رَائِحَةِ المَاءِ فَقَطْ دُونَ لَوْنِهِ وَطَعْمِهِ، فَإِنَّهُ المَاءَ يَبْقَى طَهُورًا مُتَسَامَحًا فِيهِ، لِأَنَّهُ إِمَّا مِنْ بَابِ التَّغَيُّرِ بِالمُجَاوِرِ الَّذِي لَا مُمَازَجَةَ فِيهِ، أَوْ مِمَّا دَعَتْ إِلَيْهِ العَادَةُ وَالضَّرُورَةُ فِي إِصْلَاحِ الأَوْعِيَةِ.
 وَمِثَالُهَا: أَنْ يُصَبَّ المَاءُ فِي قِرْبَةٍ جَدِيدَةٍ أَوْ قَدِيمَةٍ مَطْلِيَّةٍ بِعُصَارَةِ شَجَرِ العَرْعَرِ (القَطِرَانِ) لِمَنْعِ نَضْحِ المَاءِ، فَيَكْتَسِبَ المَاءُ رَائِحَةَ القَطِرَانِ النَّفَّاثَةَ مَعَ بَقَاءِ لَوْنِهِ النَّقِيِّ وَطَعْمِهِ الأَصْلِيِّ البَارِدِ.
 الأَدِلَّةُ مِنْ:
 1. القُرْآنِ الكَرِيمِ: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}
 وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ الآيَةَ نَفَتِ الحَرَجَ عَنِ المُكَلَّفِينَ، وَالِاحْتِرَازُ مِنْ رَائِحَةِ القَطِرَانِ فِي أَوْعِيَةِ المَاءِ عَسِرٌ جِدًّا، فَلَوْ قُلْنَا بِسَلْبِ الطَّهُورِيَّةِ لَأَدَّى ذَلِكَ إِلَى الحَرَجِ وَالمَشَقَّةِ العَظِيمَةِ، فَتَعَيَّنَ العَفْوُ تَيْسِيرًا عَلَى الأُمَّةِ، إِذْ "المَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ".
 2. السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ × دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ × : «إِنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءٌ بَاتَ فِي شَنَّةٍ، وَإِلَّا كَرَعْنَا» (رَوَاهُ البُخَارِيُّ).
 وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ النَّبِيَّ × طَلَبَ المَاءَ البَائِتَ فِي "الشَّنَّةِ" (وَهِيَ القِرْبَةُ القَدِيمَةُ)، وَمِنْ شَأْنِ المَاءِ البَائِتِ فِيهَا أَنْ يَتَغَيَّرَ رِيْحُهُ بِمَا طُلِيَتْ بِهِ مِنْ قَطِرَانٍ أَوْ جِلْدٍ، فَطَلَبُهُ الِاسْتِقَاءَ مِنْهَا دَلِيلٌ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ وَعَدَمِ تَأَثُّرِهِ بِرَائِحَةِ طِلَائِهَا.
 3. قِيَاسِ الطَّرْدِ: وَذَلِكَ بِإِلْحَاقِ رَائِحَةِ القَطِرَانِ المَوْضُوعِ فِي المَاءِ بِسَبَبِ الإِصْلَاحِ (فَرْعٌ) بِالتَّغَيُّرِ النَّاشِئِ عَنْ قَرَارِ المَاءِ كَالكِبْرِيتِ وَالطُّحْلُبِ (أَصْلٌ)، بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مِمَّا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ المَاءُ غَالِبًا فِي مَوَاطِنِ الِاسْتِعْمَالِ العَادِيِّ، فَكَمَا نَجَحَ طَرْدُ عِلَّةِ الِاغْتِفَارِ فِي قَرَارِ المَاءِ، وَجَبَ طَرْدُهَا فِيهِ.
 4. قَاعِدَةِ الِاسْتِصْحَابِ: حَيْثُ نَسْتَصْحِبُ الأَصْلَ فِي المَاءِ وَهُوَ الطَّهُورِيَّةُ، وَعَدَمُ انْفِكَاكِ اسْمِ المَاءِ عَنْهُ لُغَةً وَعُرْفًا بِمُجَرَّدِ خِلْطَةِ الرَّائِحَةِ العَرَضِيَّةِ النَّاشِئَةِ عَنِ الوِعَاءِ، فَالشَّكُّ الطَّارِئُ لَا يَرْفَعُ الحُكْمَ اليَقِينِيَّ المُتَقَرِّرَ.
 الفَوَائِدُ:
 
النُّكْتَةُ الأُصُولِيَّةُ: تَنْقِيحُ المَنَاطِ فِي لَفْظِ "المُسَافِرِ"؛ حَيْثُ حَمَلَهُ الجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ، وَبِالتَّالِي عُمِّمَ الحُكْمُ لِلْحَاضِرِ وَالبَادِي، بَيْنَمَا تَمَسَّكَ أَحْمَدُ البَابِيُّ بِالمَفْهُومِ فَقَيَّدَ العَفْوَ بِالسَّفَرِ المُبَاحِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ تَعْلِيقَ الحُكْمِ بِالمُشْتَقِّ أَوِ الوَصْفِ هَلْ يُوجِبُ التَّخْصِيصَ أَمْ لَا.
 
النُّكْتَةُ البَلَاغِيَّةُ: فِي قَوْلِهِ "وِعَاءِ مُسَافِرٍ" كِنَايَةٌ عَنِ الحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ وَعُمُومِ البَلْوَى، فَاللَّفْظُ فِي ظَاهِرِهِ خَاصٌّ لَكِنَّ المُرَادَ بِهِ الإِشَارَةُ البَلَاغِيَّةُ إِلَى المَشَقَّةِ الَّتِي تَقَعُ لِمَنْ يَحْمِلُ المَاءَ، فَأُطْلِقَ الغَالِبُ (وَهُوَ المُسَافِرُ) وَأُرِيدَ بِهِ مَنَاطُ عِلَّةِ التَّيْسِيرِ.
 
النُّكْتَةُ النَّحْوِيَّةُ: ضَبْطُ لَفْظِ "القَطِرَانِ" فِيهِ لُغَاتٌ؛ حَيْثُ يَجُوزُ فِيهِ فَتْحُ القَافِ وَكَسْرُ الطَّاءِ (قَطِرَان)، وَبِكَسْرِهِمَا مَعًا (قِطِرَان)، وَبِكَسْرِ القَافِ وَسُكُونِ الطَّاءِ (قِطْرَان)، وَهُوَ مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ، وَإِضَافَةُ الرَّائِحَةِ إِلَيْهِ مِن بَابِ إِضَافَةِ المَصْدَرِ أَوْ العَرَضِ إِلَى سَبَبِهِ.
 
تَحْلِيلُ المَسْأَلَةِ:
 
أَوَّلًا: التَّحْلِيلُ الفِقْهِيُّ: وَالنَّظَرُ الفِقْهِيُّ لِلْمَسْأَلَةِ: المَاءُ إِذَا بَاشَرَ القَطِرَانَ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ القَطِرَانُ دِبَاغًا لِلْوِعَاءِ أَوْ لَا. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دِبَاغًا فَالْمَعْفُوُّ عَنْهُ رَائِحَتُهُ فَقَطْ لِأَنَّهَا فِى حُكْمِ المُجَاوِرِ، أَمَّا اللَّوْنُ وَالطَّعْمُ فَيَضُرَّانِ اتِّفَاقًا. وَأَمَّا إِذَا كَانَ القَطِرَانُ دِبَاغًا لِلْوِعَاءِ، فَقَدْ جَرَى مَجْرَى آلَاتِ الِاسْتِقَاءِ فَلَا يَضُرُّ تَغَيُّرُ أَحَدِ الأَوْصَافِ أَوْ جَمِيعِهَا إِلَّا إِذَا كَانَ التَّغَيُّرُ بَيِّنًا كَمَا هُوَ الرَّاجِحُ.
 
وَمَنَاطَاتُ المَسْأَلَةِ: تَدُورُ عَلَى مَنَاطَيْنِ: المَنَاطُ الأَوَّلُ: مَنَاطُ الإِصْلَاحِ (كَوْنُ المَادَّةِ مُصْلِحَةً لِلْوِعَاءِ لَا مُفْسِدَةً لِلْمَاءِ)، المَنَاطُ الثَّانِي: مَنَاطُ نَوْعِ التَّغَيُّرِ؛ فَالرَّائِحَةُ مُغْتَفَرَةٌ عُرْفًا لِعُمُومِ البَلْوَى، بَيْنَمَا اللَّوْنُ وَالطَّعْمُ خَارِجَانِ عَنِ حَدِّ المُجَاوَرَةِ إِلَى المُمَازَجَةِ فِي غَيْرِ الدِبَاغِ.
يَدُورُ المَنَاطُ هُنَا حَوْلَ "عُمُومِ البَلْوَى، وَعُسْرِ الِاحْتِرَازِ، وَكَوْنِ المَادَّةِ مَوْضُوعَةً لِإِصْلَاحِ الإِنَاءِ لَا لِإِفْسَادِ المَاءِ"،
وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا المعاصرة
مِيَاهُ الأَنَابِيبِ الحَدِيثَةِ المُبَطَّنَةِ بِمَادَّةِ (الإِيبُوكْسِي) أَوْ المَطَّاطِ لِلْحِمَايَةِ:
قِيَاسًا عَلَى "القَطِرَانِ المَوْضُوعِ لِإِصْلَاحِ الوِعَاءِ"؛ حَيْثُ تُطْلَى شَبَكَاتُ المِيَاهِ العَامَّةِ مِنَ الدَّاخِلِ بِمَوَادٍ بِلَاسْتِيكِيَّةٍ أَوْ رَاتِنْجِيَّةٍ لِحِمَايَتِهَا مِنَ التَّآكُلِ، وَيَصْعُبُ جِدًّا عَلَى أَهْلِ الحَضَرِ وَالمُدُنِ الِاحْتِرَازُ عَمَّا يَلْحَقُ المَاءَ مِنْ رَائِحَةِ هَذِهِ الأَنَابِيبِ، فَيُقَاسُ عَلَى عِلَّةِ عُمُومِ البَلْوَى وَالمَشَقَّةِ الَّتِي تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ، فَيَكُونُ المَاءُ بَاقِيًا عَلَى طَهُورِيَّتِهِ.
 
أَقْرَاصُ التَّعْقِيمِ (كَالكُلُورِ) المَوْضُوعَةِ فِي خَزَّانَاتِ المِيَاهِ الرَّئِيسِيَّةِ:
قِيَاسًا عَلَى مَنَاطِ "المُصْلِحِ لَا المُفْسِدِ"؛ فَكَمَا أَنَّ القَطِرَانَ وُضِعَ لِإِصْلَاحِ الوِعَاءِ المَانِعِ مِنْ ضَيَاعِ المَاءِ، فَمَادَّةُ الكُلُورِ تُوضَعُ لِإِصْلَاحِ المَاءِ نَفْسِهِ بِقَتْلِ البَكْتِيرْيَا وَحِفْظِهِ، فَإِذَا تَغَيَّرَتْ رَائِحَتُهُ بِذَلِكَ لَمْ يَضُرَّ لِأَنَّهُ مِمَّا يُعْسَرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَهُوَ لِمَصْلَحَةِ المَاءِ، فَأَشْبَهَ الآجِنَ وَمَا غُيِّرَ لِلضَّرُورَةِ.
 
مِيَاهُ الآبَارِ الِارْتِوَازِيَّةِ المَسْحُوبَةِ بِمَضَخَّاتٍ مَطْلِيَّةٍ بِالزِّيُوتِ البِتْرُولِيَّةِ:
قِيَاسًا عَلَى مَسْأَلَةِ "دَلْوِ المَاءِ المَدْهُونِ بِزَيْتٍ" الَّتِي نَقَلَهَا عَلِيشٌ عَنِ الحَطَّابِ؛ حَيْثُ تَنْشَغُ (تَرْتَفِعُ) أَجْزَاءُ الزَّيْتِ عِنْدَ دَوَرَانِ المَحَرِّكِ فَتُمَازِجُ المَاءَ، فَإِنْ كَانَ التَّغَيُّرُ فِي الرَّائِحَةِ فَقَطْ نَتِيجَةَ المُرُورِ العَابِرِ عُفِيَ عَنْهُ عُمُومًا لِلْحَاجَةِ، أَمَّا لَوْ ظَهَرَتْ بُقَعُ الزَّيْتِ بِشَكْلٍ بَيِّنٍ غَيَّرَ الطَّعْمَ أَوِ اللَّوْنَ، فَإِنَّهُ يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ قِيَاسًا عَلَى المَعْتَمَدِ فِي المُمَازَجَةِ.
 ثَانِيًا: التَّحْلِيلُ بِالدَّلَالَاتِ وَالمَفَاهِيمِ
 1.  مَفْهُومُ اللَّقَبِ (أَوْ الوَصْفِ): فِي قَوْلِهِ "وِعَاءِ مُسَافِرٍ" مَفْهُومُ صِفَةٍ، لَكِنَّ الحُكْمَ هُنَا أُلْغِيَ مَفْهُومُهُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ (كَالحَطَّابِ وَالدَّرْدِيرِ) لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الغَالِبِ، فَلَا يَعْنِي أَنَّ غَيْرَ المُسَافِرِ يَضُرُّهُ التَّغَيُّرُ بَلِ الحَاضِرُ مِثْلُهُ.
 
2.  دَلَالَةُ التَّنْبِيهِ (الاقْتِضَاءِ): حَيْثُ يَقْتَضِي الحُكْمُ بِالعَفْوِ عَنْ رَائِحَةِ القَطِرَانِ التَّنْبِيهَ عَلَى عِلَّةِ "مَا يُعْسَرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ"، فَكُلُّ مَا دَخَلَ فِي بَابِ إِصْلَاحِ الأَوْعِيَةِ ا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ المَاءُ غَالِبًا يَأْخُذُ حُكْمَ العَفْوِ التِزَامًا.
 ثَالِثًا: التَّحْلِيلُ بِأَدَوَاتِ عِلْمِ المَنْطِقِ:
 قَضِيَّةُ المَسْأَلَةِ: قَضِيَّةٌ حَمْلِيَّةٌ جُزْئِيَّةٌ مُوجَبَةٌ تَقْضِي بِعَفْوِ الشَّارِعِ عَنْ صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ مِنَ التَّغَيُّرِ.
 وَمَوْضُوعُهَا: (المَاءُ المُتَغَيِّرُ رِيحُهُ بِقَطِرَانِ وِعَاءِ المُسَافِرِ غَيْرِ الدِبَاغِ).
 وَمَحْمُولُهَا: (بَاقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ)، وَالنَّسَبَةُ إِثْبَاتُ (المَحْمُولِ لِلْمَوْضُوعِ) شَرْطَ عَدَمِ تَغَيُّرِ الطَّعْمِ وَاللَّوْنِ.
 تحْلِيلُ الْمَسْأَلَةِ مَنْطِقِيًّا :
 أَوَّلًا : الْقِيَاسُ الِاقْتِرَانِيُّ الْحَمْلِيُّ - الشَّكْلُ الْأَوَّلُ
 مُقَدِّمَةٌ كُبْرَى : كُلُّ مَاءٍ تَغَيَّرَ بِمَا يُعْسَرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ لِإِصْلَاحِ وِعَائِهِ فَهُوَ طَهُورٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ.
 مُقَدِّمَةٌ صُغْرَى : المَاءُ المُتَغَيِّرُ رِيْحُهُ بِقَطِرَانِ الوِعَاءِ هُوَ مَاءٌ تَغَيَّرَ بِمَا يُعْسَرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ لِإِصْلَاحِ وِعَائِهِ.
 نَتِيجَةٌ : المَاءُ المُتَغَيِّرُ رِيْحُهُ بِقَطِرَانِ الوِعَاءِ هُوَ طَهُورٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ.
 الْقِيَاسُ الِاقْتِرَانِيُّ الشَّرْطِيُّ الْمُتَّصِلُ :
(كُلَّمَا كَانَ القَطِرَانُ دِبَاغًا لِلْوِعَاءِ، كَانَ التَّغَيُّرُ بِهِ كَالتَّغَيُّرِ بِآلَةِ الِاسْتِقَاءِ، وَإِذَا كَانَ كَآلَةِ الِاسْتِقَاءِ، فَلَا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِهِ إِلَّا إِذَا كَانَ بَيِّنًا) وَذَلِكَ يُنْتِجُ رَبْطَ حُكْمِ المَاءِ بِحَالَةِ الدِبَاغِ وَعَدَمِهِ.
 
الْقِيَاسُ الِاقْتِرَانِيُّ الْمُنْفَصِلُ :
(إِمَّا أَنْ يَكُونَ التَّغَيُّرُ بِالقَطِرَانِ فِي الرَّائِحَةِ فَقَطْ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي اللَّوْنِ أَوِ الطَّعْمِ) وَذَلِكَ لِأَنَّ الأَوْصَافَ مُتَمَايِزَةٌ حِسًّا، فَإِذَا كَانَ فِي الرَّائِحَةِ فَقَطْ فَالْحُكْمُ الطَّهُورِيَّةُ، وَإِذَا كَانَ فِي اللَّوْنِ أَوِ الطَّعْمِ فَالْحُكْمُ السَّلْبُ (فِي غَيْرِ الدِبَاغِ).
 ثَانِيًا : الْقِيَاسُ الِاسْتِثْنَائِيُّ :
 الِاسْتِثْنَائِيُّ الْمُتَّصِلُ :
(لَوْ كَانَ لَفْظُ "المُسَافِرِ" فِي كَلَامِ خَلِيلٍ لَهُ مَفْهُومٌ مُعْتَبَرٌ، لَمَا جَازَ لِلْحَاضِرِ اسْتِعْمَالُ هَذَا المَاءِ، لَكِنَّهُ يَجُوزُ لِلْحَاضِرِ اسْتِعْمَالُهُ بِاتِّفَاقِ النُّقُولِ عَنِ الحَطَّابِ) وَذَلِكَ يُنْتِجُ نَقِيضَ المُقَدَّمِ: أَنَّ لَفْظَ المُسَافِرِ لَيْسَ لَهُ مَفْهُومٌ مُعْتَبَرٌ بَلْ خَرَجَ مَخْرَجَ الغَالِبِ.
 الِاسْتِثْنَائِيُّ الْمُنْفَصِلُ :
(إِمَّا أَنْ يَكُونَ التَّغَيُّرُ بِالقَطِرَانِ غَيْرِ الدِبَاغِ سَالِبًا لِلطَّهُورِيَّةِ لِأَنَّهُ مُمَازِجٌ، أَوْ غَيْرَ سَالِبٍ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ المُجَاوِرِ رَائِحَةً، لَكِنَّهُ غَيْرُ سَالِبٍ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ المُجَاوِرِ) وَذَلِكَ يُنْتِجُ ثُبُوتَ الطَّهُورِيَّةِ لَهُ.
 ثَالِثًا : الْقِيَاسُ التَّمْثِيلِيُّ (الْفِقْهِيُّ: إِلْحَاقُ فَرْعٍ بِأَصْلٍ) :
(إِلْحَاقُ التَّغَيُّرِ بِرَائِحَةِ القَطِرَانِ (فَرْعٌ) بِـالتَّغَيُّرِ بِرِيحِ الجِيفَةِ المُجَاوِرَةِ عَنْ بُعْدٍ (أَصْلٌ)) وَذَلِكَ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَغَيُّرٌ حَصَلَ فِي الرَّائِحَةِ عَنْ طَرِيقِ المُجَاوَرَةِ وَتَكَيُّفِ الهَوَاءِ دُونَ مُمَازَجَةِ الأَجْزَاءِ الصَّلْبَةِ لِلْمَاءِ، فَكَمَا أَنَّ المَاءَ فِي الأَصْلِ طَهُورٌ، فَكَذَلِكَ فِي الفَرْعِ.
 وَمِنَ المَقُولَاتِ العَشْرِ :
فَهِيَ مَقُولَةُ (الفِعْلِ) وَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ طَلْيِ الوِعَاءِ وَإِصْلَاحِهِ بِالقَطِرَانِ، وَمَقُولَةُ (الكَيْفِ) المُمَثَّلَةِ فِي رَائِحَةِ القَطِرَانِ النَّفَّاثَةِ الَّتِي لَحِقَتْ بِالمَاءِ وَغَيَّرَتْ وَصْفَهُ الرَّائِحِيَّ.
 وَمِنَ المُغَالَطَاتِ المَنْطِقِيَّةِ :
مُغَالَطَةُ (الرَّنْجَةِ الحَمْرَاءِ) وَذَلِكَ حِينَمَا يَأْتِي مَنْ يَقُولُ بِتَقْيِيدِ الحُكْمِ بِالسَّفَرِ المُبَاحِ (كَأَحْمَدَ البَابِيِّ) فَيُدْخِلُ مَسْأَلَةً جَانِبِيَّةً وَهِيَ "أَحْكَامُ السَّفَرِ وَالعِصْيَانِ فِيهِ" لِيُشَتِّتَ عَنِ المَنَاطِ الأَصْلِيِّ لِلْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ أَنَّ التَّغَيُّرَ بِالقَطِرَانِ هُوَ عِلَّةٌ دَائِرَةٌ مَعَ طَبِيعَةِ الوِعَاءِ عُرْفًا (مُجَاوَرَةً وَعُسْرَ احْتِرَازٍ) لَا مَعَ صِفَةِ الشَّخْصِ المُسَافِرِ، وَلِذَلِكَ رَدَّ عَلَيْهِ البُنَانِيُّ بِأَنَّ إِبْطَالَ مَفْهُومِ "المُسَافِرِ" يُسْقِطُ هَذَا التَّشْتِيتَ رَأْسًا.
 وَثَمَرَةُ التَّحْلِيلِنْطِقِيِّ لِلْمَسْأَلَةِ: تَقْرِيرُ أَنَّ الأَوْصَافَ الَّتِي تَخْرُجُ مَخْرَجَ الغَالِبِ فِي النُّصُوصِ الفِقْهِيَّةِ لَا يَجُوزُ مَنْطِقِيًّا جَعْلُهَا عِلَلًا طَرْدِيَّةً تَدُورُ مَعَهَا الأَحْكَامُ وُجُودًا وَعَدَمًا.
 بَيَانُ الخِلَافِ فِي المَذْهَبِ :
 1.  المُعْتَمَدُ : أَنَّ التَّغَيُّرَ بِرَائِحَةِ القَطِرَانِ فِي الوِعَاءِ لَا يَضُرُّ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ لِمُسَافِرٍ أَوْ حَاضِرٍ، وَلَا يَتَقَيَّدُ بِالضَّرُورَةِ (وَهُوَ مَا مَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ فِي إِطْلَاقِ عَدَمِ الضَّرَرِ لِلرَّائِحَةِ)، غَيْرَ أَنَّ خَلِيلًا قَيَّدَهُ بِالْمُسَافِرِ جَرْيًا عَلَى الغَالِبِ، وَالمُعْتَمَدُ عَدَمُ التَّقْيِيدِ. أَمَّا إِذَا كَانَ القَطِرَانُ دِبَاغًا، فَالْمُعْتَمَدُ مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ وَارْتَضَاهُ الحَطَّابُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ التَّغَيُّرُ بَيِّنًا ضَرَّ، وَإِلَّا فَلَا.
 2.  القَوْلُ المُقَابِلُ : فِي حَالَةِ كَوْنِ القَطِرَانِ دِبَاغًا، هُنَاكَ قَوْلٌ نَقَلَهُ الشَّيْخُ زَرُوقٌ عَنِ الشَّبِيبِيِّ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ مُطْلَقًا وَلَوْ تَغَيَّرَتْ جَمِيعُ الأَوْصَافِ وَكَانَ التَّغَيُّرُ بَيِّنًا، وَهُوَ مَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ الدَّرْدِيرُ تَبَعًا لِعَبْ وَشَبْ حَيْثُ رَأَوْا عَدَمَ الضَّرَرِ مُطْلَقًا فِي الدِبَاغِ خِلَافًا لِابْنِ عَرَفَةَ. وَهُنَاكَ قَوْلٌ نَقَلَهُ ابْنُ رَاشِدٍ بِتَقْيِيدِ عَدَمِ الضَّرَرِ فِي لَوْنِهِ وَطَعْمِهِ بِالسَّفَرِ وَالضَّرُورَةِ عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ غَيْرِهِ.
 التَّرْجِيحُ حَسَبَ قَوَاعِدِ المَذْهَبِ : حَسَبَ الدَّلِيلِ الأُصُولِيِّ فَإِنَّ القَاعِدَةَ الفِقْهِيَّةَ "إِذَا ضَاقَ الأَمْرُ اتَّسَعَ" وَ"عُمُومُ البَلْوَى" تَقْتَضِي رَفْعَ الحَرَجِ فِي رَائِحَةِ القَطِرَانِ مُطْلَقًا، وَتَرْجِيحُ قَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ فِي الدِبَاغِ (التَّفْصِيلُ بَيْنَ البَيِّنِ وَغَيْرِهِ) هُوَ الأَقْرَبُ لِقَوَاعِدِ المَذْهَبِ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ البَيِّنَ جِدًّا يُخْرِجُ المَاءَ عَنْ مَاهِيَّتِهِ بِحَيْثُ يَصِيرُ قَطِرَانًا مُضَافًا فَتَزُولُ صِفَةُ الإِطْلَاقِ عَنْهُ عُرْفًا.


👁️ الـمشاهدون: جاري الحساب...
🎓 عدد حضور الأعضاء لجميع الدروس: ...
0