جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.
..
..
..
..
..
~
..
..
..
..
..
انضم لطلبة العلم

أحكام الماء اليسير وما يكره استعماله في الطهارة

 إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ كَرَاهَةِ المَاءِ اليَسِيرِ الَّذِي حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَمْ تُغَيِّرْهُ أَوْ اسْتُعْمِلَ فِي طَهَارَةٍ
وَهِيَ تَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ كَرَاهَةِ اسْتِعْمَالِ المَاءِ اليَسِيرِ كَآنِيَةِ الوُضُوءِ
أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ إلَى ذٰلِكَ بِقَوْلِهِ: «وَكُرِهَ يَسِيرٌ كَآنِيَةِ وُضُوءٍ...».
أَوَّلاً: الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
1. حَدِيثُ النَّهْيِ عَنِ الْغَمْسِ عِنْدَ الِاسْتِيقَاظِ:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ × قَالَ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثاً، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
 وَجْهُ الدَّلَالَةِ: نَهَى النَّبِيُّ × عَنْ غَمْسِ الْيَدِ فِي "الْإِنَاءِ" وَهُوَ المَاءُ الْقَلِيلُ (الْيَسِيرُ) خَشْيَةَ وُصُولِ نَجَاسَةٍ خَفِيَّةٍ قَدْ لَا تُغَيِّرُ أَوْصَافَ المَاءِ، فَدَلَّ هٰذَا النَّهْيُ عَلَى الِاحْتِيَاطِ وَكَرَاهَةِ اسْتِعْمَالِ المَاءِ الْيَسِيرِ الَّذِي يَتَوَهَّمُ وُرُودُ النَّجَاسَةِ عَلَيْهِ.
2. حَدِيثُ الْقُلَّتَيْنِ (مفهوم المخالفة):
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ×: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ» [رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ].
 وَجْهُ الدَّلَالَةِ: المَفْهُومُ مِنْ النَّصِّ أَنَّ المَاءَ إِذَا كَانَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ فَقَدْ يَحْمِلُ الْخَبَثَ وَيَتَأَثَّرُ بِهِ، وَلَمَّا كَانَ مَاءُ آنِيَةِ الْوُضُوءِ (كَالْمُدِّ أَوِ الصَّاعِ) أَقَلَّ بِكَثِيرٍ مِنَ الْقُلَّتَيْنِ، كَانَ مَظِنَّةً لِلتَّأَثُّرِ، فَنُدِبَ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَكُرِهَ اسْتِعْمَالُهُ خُرُوجاً مِنْ خِلَافِ الشَّافِعِيَّةِ القَائِلِينَ بِنَجَاسَتِهِ.
ثَانِياً: الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ
1. قَاعِدَةُ (سَدِّ الذَّرَائِعِ):
تَقْتَضِي القَاعِدَةُ مَنَعَ الوَسَائِلِ المُمَهِّدَةِ لِلْمَفَاسِدِ، وَالمَاءُ اليَسِيرُ الَّذِي حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَمْ تُغَيِّرْهُ مَظِنَّةُ التَّأَثُّرِ بِالنَّجَاسَةِ الخَفِيَّةِ الَّتِي قَدْ تَعْجِزُ الحَوَاسُّ عَنْ إِدْرَاكِهَا، فَكُرِهَ اسْتِعْمَالُهُ سَدّاً لِذَرِيعَةِ التَّلَبُّسِ بِالنَّجَاسَةِ فِي العِبَادَةِ.
2. قَاعِدَةُ (الْمَظِنَّةُ تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْمَئِنَّةِ):
لَمَّا كَانَ المَاءُ القَلِيلُ يَعْسُرُ جِدّاً مَعْرِفَةُ مَدَى سَلَامَتِهِ التَّامَّةِ عِنْدَ مُلاَقَاةِ النَّجَاسَةِ أَوْ حُلُولِهَا فِيهِ، نُزِّلَتْ مَظِنَّةُ التَّأَثُّرِ مَنْزِلَةَ الحَقِيقَةِ فِي الشَّفَقَةِ وَالاحْتِيَاطِ، فَنُدِبَ تَرْكُهُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ تَنْزِيهاً لِلْعِبَادَةِ.
ثَالِثاً: الدَّلِيلُ مِنَ الْقِيَاسِ
1. قِيَاسُ الطَّرْدِ:
قِيَاسُ المَاءِ اليَسِيرِ الَّذِي حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَمْ تُغَيِّرْهُ عَلَى المَاءِ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ؛ بِجَامِعِ وُرُودِ الشَّبَهَةِ وَعَدَمِ ظُهُورِ التَّغَيُّرِ فِي كِلَيْهِمَا؛ فَمَا أَوْجَبَ الكَرَاهَةَ وَالاحْتِيَاطَ ثَمَّ يُوجِبُ الكَرَاهَةَ هُنَا.
2. قِيَاسُ الْعِلَّةِ:
قِيَاسُ المَاءِ اليَسِيرِ المُمْتَزِجِ بِالنَّجَاسَةِ اللَّطِيفَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِ المَاءِ الْمُسَخَّنِ بِالشَّمْسِ أَوْ الشَّدِيدِ السُّخُونَةِ؛ بِعِلَّةِ وُجُودِ المَانِعِ أَوْ الاحْتِمَالِ المَانِعِ مِنْ كَمَالِ الطَّهَارَةِ فِي الأَبْدَانِ، فَيُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى المَشْهُورِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ.
إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ كَرَاهَةِ اسْتِعْمَالِ المَاءِ اليَسِيرِ الَّذِي حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَمْ تُغَيِّرْهُ فِي الغُسْلِ
وَهِيَ تَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ كَرَاهَةِ اسْتِعْمَالِ المَاءِ القَلِيلِ بِقَدْرِ آنِيَةِ الغُسْلِ إِذَا حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَمْ تُغَيِّرْ أَحَدَ أَوْصَافِهِ
أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ إلَى ذٰلِك بِقَوْلِهِ: «وَغُسْلٍ بِنَجِسٍ لَمْ يُغَيِّرْهُ...».
أَوَّلاً: الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
1. حَدِيثُ بِئْرِ بُضَاعَةَ:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ × قَالَ: «إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ].
 وَجْهُ الدَّلَالَةِ: هٰذَا الحَدِيثُ أَصْلٌ فِي أَنَّ المَاءَ لاَ يَنْجُسُ بِمُجَرَّدِ المُلَاَقَاةِ لِلنَّجَاسَةِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الظَّهُورِ فِي التَّغَيُّرِ؛ فَمَا دَامَ المَاءُ (وَإِنْ كَانَ قَلِيلاً بِقَدْرِ آنِيَةِ الغُسْلِ) لَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ، فَهُوَ بَاقٍ عَلَى أَصْلِ طَهُورِيَّتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا.
2. حَدِيثُ النَّهْيِ عَنِ البَوْلِ فِي المَاءِ الدَّائِمِ:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ × قَالَ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
 وَجْهُ الدَّلَالَةِ: النَّهْيُ هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى الكَرَاهَةِ إِذَا كَانَ المَاءُ لَمْ يَتَغَيَّرْ؛ لِأَنَّ خَلْطَ المَاءِ بِالنَّجَاسَةِ يُقَذِّرُهُ وَيَجْعَلُ النَّفْسَ تَعَافُ اسْتِعْمَالَهُ فِي العِبَادَةِ، فَنُدِبَ تَرْكُهُ تَنْزِيهاً.
ثَانِياً: الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ

1. قَاعِدَةُ (الْخُرُوجُ مِنَ الْخِلَافِ مُسْتَحَبٌّ):
لَمَّا كَانَ جُمْهُورُ الفُقَهَاءِ يَرَوْنَ نَجَاسَةَ المَاءِ القَلِيلِ بِمُجَرَّدِ وُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ، كَانَ الخُرُوجُ مِنْ هٰذَا الخِلَافِ الشَّدِيدِ مُسْتَحَبّاً؛ لِذٰلِكَ كُرِهَ اسْتِعْمَالُهُ مَعَ صِحَّةِ التَّطَهُرِ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ غَيْرِهِ.
2. قَاعِدَةُ (الْمَظِنَّةُ تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْمَئِنَّةِ):
ورُودُ النَّجَاسَةِ عَلَى المَاءِ القَلِيلِ (كَآنِيَةِ الغُسْلِ الَّتِي هِيَ بِقَدْرِ الصَّاعِ) يَجْعَلُهُ مَظِنَّةً لِلْتَّأَثُّرِ الخَفِيِّ، فَنُزِّلَتِ المَظِنَّةُ مَنْزِلَةَ اليَقِينِ فِي الشَّفَقَةِ وَالاحْتِيَاطِ لِلطَّهَارَةِ.
ثَالِثاً: الدَّلِيلُ مِنَ الْقِيَاسِ

1. قِيَاسُ الطَّرْدِ:
قِيَاسُ المَاءِ اليَسِيرِ الَّذِي حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَمْ تُغَيِّرْهُ فِي الغُسْلِ عَلَى المَاءِ اليَسِيرِ الَّذِي حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فِي الوُضُوءِ؛ بِجَامِعِ المُلَاَقَاةِ مَعَ عَدَمِ التَّغَيُّرِ فِي كِلَيْهِمَا، فَمَا ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الكَرَاهَةِ فِي الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى يَثْبُتُ لَهُ فِي الطَّهَارَةِ الكُبْرَى.
2. قِيَاسُ الْعِلَّةِ:
قِيَاسُ المَاءِ القَلِيلِ المَخْلُوطِ بِالنَّجَاسَةِ غَيْرِ الْمُغَيِّرَةِ عَلَى المَاءِ الْمُسَخَّنِ بِالشَّمْسِ فِي الأَوَانِي المُنْطَبِعَةِ؛ بِعِلَّةِ وُجُودِ المَانِعِ أَوْ الاحْتِمَالِ المَانِعِ مِنْ كَمَالِ النَّظَافَةِ وَالتَّنْزِيهِ، فَيُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُمَا عَلَى المَشْهُورِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِمَا.
إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ كَرَاهَةِ اسْتِعْمَالِ المَاءِ اليَسِيرِ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ
وَهِيَ تَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ كَرَاهَةِ اسْتِعْمَالِ المَاءِ القَلِيلِ كَآنِيَةِ الوُضُوءِ إِذَا شَرِبَ مِنْهُ الكَلْبُ مَعَ بَقَاءِ طَهُورِيَّتِهِ
أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ إلَى ذٰلِك بِقَوْلِهِ: «أَوْ وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ...».
أَوَّلاً: الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
1. الدَّلِيلُ مِنَ الكِتَابِ عَلَى طَهَارَةِ سُؤْرِ الكَلْبِ:
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4].
 وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى أَكْلَ مَا صَادَهُ الكَلْبُ المُعَلَّمُ وَلَمْ يَأْمُرْ بِغَسْلِ مَوْضِعِ أَنْيَابِهِ مِنَ الصَّيْدِ، فَلَوْ كَانَ رِيقُهُ نَجِساً لَأُمِرَ بِتَطْهِيرِهِ لِكَوْنِ النَّجَاسَةِ لاَ يُعْفَى عَنْهَا فِي المَأْكُولاَتِ، فَدَلَّ عَلَى طَهَارَةِ ذَاتِهِ وَرِيقِهِ وَعَدَمِ نَجَاسَةِ المَاءِ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ.
2. الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ عَلَى كَرَاهَةِ اسْتِعْمَالِ المَاءِ:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ × قَالَ: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
 وَجْهُ الدَّلَالَةِ: حَمَلَ المَالِكِيَّةُ الأَمْرَ بِالغَسْلِ عَلَى التَّعَبُّدِ لاَ عَلَى النَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَمَرَ بِإِرَاقَةِ المَاءِ وَغَسْلِ الإِنَاءِ، فَمُخَالَفَةُ ذٰلِكَ بِاسْتِعْمَالِ المَاءِ فِيهِ نَوْعُ تَرَخُّصٍ تَلْحَقُهُ الكَرَاهَةُ تَنْزِيهاً، مَعَ انْضِمَامِ عُمُومِ حَدِيثِ «إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» الدَّالِّ عَلَى بَقَاءِ طَهُورِيَّتِهِ إِذَا لَمْ يَتَغَيَّر
ثَانِياً: الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ
1. قَاعِدَةُ (الْخُرُوجُ مِنَ الْخِلَافِ مُسْتَحَبٌّ):
لَمَّا كَانَ جُمْهُورُ الفُقَهَاءِ يَرَوْنَ نَجَاسَةَ سُؤْرِ الكَلْبِ وَعَدَمَ جَوَازِ التَّطَهُرِ بِهِ، كَانَ الخُرُوجُ مِنْ هٰذَا الخِلَافِ القَوِيِّ مُسْتَحَبّاً؛ لِذٰلِك كُرِهَ اسْتِعْمَالُ المَاءِ اليَسِيرِ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ المَالِكِيُّ خُرُوجاً مِنْ الخِلاَفِ مَعَ صِحَّةِ عِبَادَتِهِ بِهِ عِنْدَ العَدَمِ.
2. قَاعِدَةُ (الأَصْلُ فِي الأَشْيَاءِ الطَّهَارَةُ):
تَقْتَضِي القَاعِدَةُ أَنَّ الحَيَّ طَاهِرٌ ذَاتاً وَسُؤْراً حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَحَيْثُ لَمْ يَثْبُتِ التَّنْجِيسُ فِي رِيقِ الكَلْبِ بَقِيَ المَاءُ عَلَى أَصْلِ طَهُورِيَّتِهِ، وَنُزِّلَ أَمْرُ الشَّارِعِ بِغَسْلِ الإِنَاءِ عَلَى الاحْتِيَاطِ وَالكَرَاهَةِ فِي المَاءِ القَلِيلِ.
ثَالِثاً: الدَّلِيلُ مِنَ الْقِيَاسِ
1. قِيَاسُ الطَّرْدِ:
قِيَاسُ المَاءِ اليَسِيرِ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ عَلَى المَاءِ اليَسِيرِ الَّذِي حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَمْ تُغَيِّرْهُ؛ بِجَامِعِ وُرُودِ الشَّبَهَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالاحْتِمَالِ المَانِعِ مَعَ بَقَاءِ أَوْصَافِ المَاءِ ثَابِتَةً فِي كِلَيْهِمَا؛ فَمَا أَوْجَبَ الكَرَاهَةَ ثَمَّ يُوجِبُهَا هُنَا.
2. قِيَاسُ الْعِلَّةِ:
قِيَاسُ وُلُوغِ الكَلْبِ فِي المَاءِ اليَسِيرِ عَلَى اسْتِعْمَالِ المَاءِ المَكْشُوفِ الَّذِي يُخَافُ سِرَايَةُ الطَّوَارِقِ إِلَيْهِ؛ بِعِلَّةِ الاحْتِيَاطِ لِلطَّهَارَةِ وَمُرَاعَاةِ الأَمْرِ الشَّرْعِيِّ بِالتَّنْظِيفِ وَالتَّنْزِيهِ، فَيُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ.

مواضع التأويلات في المدونة باب الصلاة

 بِنَاءِ عَلَى مُصْطَلَحِ «التَّأْوِيلِ» عِنْدَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ —وَهُوَ اخْتِلَافُ أصْحابُنا فِي فَهْمِ مَقْصُودِ الإِمَامِ ابن القاسم فِي «المُدَوَّنَةِ» لإِمْكَانِ احْتِمَالِ النَّصِّ، أَوْ لِتَعَارُضِ المَوَاضِعِ فِيهَا— هَذِهِ أَبْرَزُ المَسَائِلِ المَحْصُورَةِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الَّتِي تَنَاوَلَتْ تَأْوِيلَاتِ المَشَايِخِ لِنُصُوصِ المُدَوَّنَةِ:
 1. المَسْأَلَةُ الأُولَى: الشَّكُّ فِي إِصَابَةِ النَّجَاسَةِ وَحُكْمُ النَّضْحِ
 نَصُّ المُدَوَّنَةِ المَلْفُوظُ:
 «وَمَنْ شَكَّ فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً نَضَحَهُ وَصَلَّى فِيهِ، وَإِنْ اسْتَيْقَنَ غَسَلَهُ».
 التَّأْوِيلُ الأَوَّلُ:
أنَّ النَّضْحَ المَذْكُورَ فِي المُدَوَّنَةِ مَشْرُوعٌ لِمَنْ شَكَّ فِي أَمْرَيْنِ: أَمْرِ الإِصَابَةِ بِالنَّجَاسَةِ، وَأَمْرِ نَجَاسَةِ المَاءِ الَّذِي أَصَابَهُ.
 قَالَ بِهِ: القَاضِي عَبْدُ الوَهَّابِ وَمَنْ تَبِعَهُ.
 التَّأْوِيلُ الثَّانِي:
أنَّ نَصَّ المُدَوَّنَةِ مُحَمَّلٌ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ، وَهِيَ مَنْ تَيَقَّنَ إِصَابَةَ النَّجَاسَةِ ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ الشَّكُّ فِي طَهَارَةِ ذَلِكَ المَوْضِعِ بَعْدَهَا.
 قَالَ بِهِ: الشَّيْخُ أَبُو الحَسَنِ اللَّخْمِيُّ.
 2. المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَضَاءُ الفَوَائِتِ الكَثِيرَةِ مَعَ صَلَاةِ الحَاضِرَةِ
 نَصُّ المُدَوَّنَةِ المَلْفُوظُ:
 «وَمَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ صَلَوَاتٌ كَثِيرَةٌ فَلْيَبْدَأْ بِالقَضَاءِ فَيُصَلِّ فِي كُلِّ وَقْتِ صَلَاةٍ مَا اسْتَطَاعَ، وَيُقَدِّمُ الفَوَّائِتَ عَلَى الحَاضِرَةِ».
 التَّأْوِيلُ الأَوَّلُ:
أنَّ التَّقْدِيمَ فِي نَصِّ المُدَوَّنَةِ لِلصَّلَوَاتِ الكَثِيرَةِ جَارٍ عَلَى حُكْمِ الوُجُوبِ فَقَطْ دُونَ الشَّرْطِيَّةِ، فَلَوْ قَدَّمَ الحَاضِرَةَ أَثِمَ وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ.
 قَالَ بِهِ: الأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ.
 التَّأْوِيلُ الثَّانِي:
أنَّ عِبَارَةَ المُدَوَّنَةِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الاِسْتِحْبَابِ؛ لِأَنَّ الفَوَائِتَ الكَثِيرَةَ يُسْقِطُ كَثْرَتُهَا حُكْمَ التَّرْتِيبِ الوَاجِبِ.
 قَالَ بِهِ: الشَّيْخُ أَبُو المَعَالِي وَابْنُ رُشْدٍ الجَدُّ.
 التَّأْوِيلُ الثَّالِثُ:
أنَّ التَّقْدِيمَ المَذْكُورَ فِي نَصِّهَا شَرْطُ صِحَّةٍ لِلْحَاضِرَةِ، فَلَا تَصِحُّ الحَاضِرَةُ مَعَ ذِكْرِ الفَوَائِتِ أَبَداً.
 قَالَ بِهِ: القَاضِي سَنَدُ بنُ عَنَانٍ وَطَائِفَةٌ.
 3. المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إِعَادَةُ الصُّبْحِ لِمَنْ أَذَّنَ لَهَا قَبْلَ الفَجْرِ
 نَصُّ المُدَوَّنَةِ المَلْفُوظُ:
 «وَمَنْ أَذَّنَ لِلصُّبْحِ بِلَيْلٍ جَازَ، وَإِنْ أَعَادَ بَعْدَ الفَجْرِ فَهُوَ حَسَنٌ».
 التَّأْوِيلُ الأَوَّلُ:
أنَّ قَوْلَهُ «فَهُوَ حَسَنٌ» يُفِيدُ الاِسْتِحْبَابَ لِتَحْقِيقِ الإِعْلَامِ بِدُخُولِ الوَقْتِ، وَأَنَّ الأَذَانَ الأَوَّلَ مُجْزِئٌ فِي سُقُوطِ السُّنَّةِ.
 قَالَ بِهِ: الشَّيْخُ أَبُو الحَسَنِ القَابِسِيُّ.
 التَّأْوِيلُ الثَّانِي:
أنَّ المُرَادَ بِـ «جَازَ» التَّوْسِعَةُ فِي شُهْرَةِ الأَذَانِ بِلَيْلٍ، لَكِنْ لَا يَبْقَى إِجْزَاءٌ حَتَّى يَجِبَ أَوْ يَتَأَكَّدَ لُزُومُ إِعَادَتِهِ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ لإِعْلَامِ المَكْنُونِينَ.
 قَالَ بِهِ: ابنُ المَوَّازِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ القَاضِي عِيَاضٌ.
 4. المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: الرُّجُوعُ لِلْجُلُوسِ لِمَنْ قَامَ لِثَالِثَةٍ نَاسِياً التَّشَهُّدَ الأَوَّلَ
 نَصُّ المُدَوَّنَةِ المَلْفُوظُ:
 «وَمَنْ قَامَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ فَلْيَرْجِعْ مَا لَمْ يَسْتَوِ قَائِماً، فَإِنْ اسْتَوَى قَائِماً مَضَى وَسَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ».
 التَّأْوِيلُ الأَوَّلُ:
أنَّ عَدَمَ الرُّجُوعِ بَعْدَ الاِسْتِوَاءِ الحَاصِلِ فِي نَصِّ المُدَوَّنَةِ مَحْمُولٌ عَلَى الكَرَاهَةِ، فَلَوْ رَجَعَ بَعْدَ اسْتِوَائِهِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ.
 قَالَ بِهِ: الشَّيْخُ أَبُو عِمْرَانَ الفَاسِيُّ.
 التَّأْوِيلُ الثَّانِي:
أنَّ المَنَعَ المَفْهُومَ مِنْ نَصِّهَا عَنْ الرُّجُوعِ بَعْدَ الاِسْتِوَاءِ هُوَ عَلَى التَّحْرِيمِ، فَمَنْ رَجَعَ بَعْدَ الاِسْتِوَاءِ عَالِماً تَعَمَّدَ الزِّيَادَةَ فَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
 قَالَ بِهِ: الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ.
 5. المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: حُكْمُ المَشْيِ عَلَى النَّجَاسَةِ المَفْرُوشَةِ أَوْ الجَافَّةِ
 نَصُّ المُدَوَّنَةِ المَلْفُوظُ:
 «وَمَنْ وَطِئَ بِنَعْلِهِ نَجَاسَةً جَافَّةً لَمْ يَضُرَّهُ، وَإِنْ كَانَتْ رَطْبَةً مَسَحَهَا بِالأَرْضِ وَصَلَّى».
 التَّأْوِيلُ الأَوَّلُ:
أنَّ حُكْمَ العَفْوِ عَنْ المَشْيِ فِي النَّجَاسَةِ المَذْكُورَةِ فِي المُدَوَّنَةِ مَشْرُوطٌ وَمُقَيَّدٌ بِأَهْلِ الضَّرُورَةِ وَالمَشَّائِينَ فِي الأَسْوَاقِ فَقَطْ مِمَّنْ يَعْسُرُ عَلَيْهِمُ الاِحْتِرَازُ.
 قَالَ بِهِ: الإِمَامُ المَازَرِيُّ.
 التَّأْوِيلُ الثَّانِي:
أنَّ نَصَّ المُدَوَّنَةِ جَارٍ عَلَى إِطْلَاقِهِ لِكُلِّ مَنْ وَطِئَهَا، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ المَشَّائِينَ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ الدَّلْكَ بِالأَرْضِ مُطَهِّرٌ شَرْعاً لِلنَّعْلِ.
 قَالَ بِهِ: القَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ بنُ نَصْرٍ.

حكم الماء المستعمل

  قَالَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ : [وَكُرِهَ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَدَثٍ؛ وَفِي غَيْرِهِ تَرَدُّدٌ]
وَتَتَعَلَّقُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ : بِتَقْرِيرِ الْأَحْكَامِ الْوَضْعِيَّةِ لِلْمِيَاهِ الَّتِي خَالَطَتْ أَعْضَاءَ الْمُتَعَبِّدِينَ، وَهِيَ تَتَعَلَّقُ بِنَفْيِ سَلْبِ الطَّهُورِيَّةِ عَنِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي رَفْعِ الْأَحْدَاثِ أَوْ التَّقَرُّبَاتِ مَعَ إِثْبَاتِ الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ رِعَايَةً لِخِلَافِ النُّظَّارِ، ثُمَّ بَيَانِ تَرَدُّدِ جِيلِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي نَقْلِ حُكْمِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي غَيْرِ الْحَدَثِ كَالْفَضَائِلِ وَالتَّجْدِيدِ.
وَمَعْنَاهَا : أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ الَّذِي لَاقَى أَعْضَاءَ الْمُتَوَضِّئِ أَوِ الْمُغْتَسِلِ يَكُونُ حُكْمُهُ أَنَّهُ [كُرِهَ] اسْتِعْمَالُهُ ابْتِدَاءً مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ، شَرِيطَةَ أَنْ يَكُونَ قَدْ نُقِلَ بِهِ حُكْمٌ وَقَعَ [فِي حَدَثٍ] أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ، وَعِلَّةُ الْكَرَاهَةِ تَدُورُ بَيْنَ خُرُوجٍ مِنْ خِلَافِ مَنْ سَلَبَهُ الطَّهُورِيَّةَ كَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، أَوْ لِتَقْذِيرِ الْمَاءِ عَلَى النُّفُوسِ. ثُمَّ انْتَقَلَ لِبَيَانِ حُكْمِ الْمَاءِ اسْتُعْمِلَ [وَفِي غَيْرِهِ] أَيْ فِي غَيْرِ الْحَدَثِ كَالْوُضُوءِ الْمُجَدَّدِ وَالْغُسْلِ الْمَسْنُونِ، فَقَدْ جَرَى فِيهِ [تَرَدُّدٌ] لِلْمُتَأَخِّرِينَ فِي النَّقْلِ عَنِ الْمُتَقَدِّمِينَ هَلْ يُلْحَقُ بِالْأَوَّلِ فِي الْكَرَاهَةِ أَمْ يَبْقَى عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ بِلَا كَرَاهَةٍ.
وَمِثَالُهَا : أَنْ يَتَوَضَّأَ شَخْصٌ فِي إِنَاءٍ صَغِيرٍ فَيَجْتَمِعَ الْمَاءُ الْمُتَسَاقِطُ مِنْ أَعْضَائِهِ؛ فَهَذَا الْمَاءُ طَهُورٌ يَصِحُّ التَّطْهِيرُ بِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ لَكِنَّهُ [مَكْرُوهٌ] مَعَ وُجُودِ مَاءٍ غَيْرِهِ طَاهِرٍ. فَإِنْ كَانَ قَدِ اغْتَسَلَ بِهِ لِجُمُعَةٍ فَقَطْ (غَيْرِ حَدَثٍ)، فَهُوَ مَحَلُّ الِاضْطِرَابِ وَالتَّرَدُّدِ الْمَذْهَبِيِّ.
أَمْثِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ نَوَازِلُ
المِثَالُ 1 : قِيَامُ مَسْجِدٍ بِإِعَادَةِ [تَدْوِيرِ الْمِيَاهِ النَّاتِجَةِ عَنْ مِيضَأَةِ الْوُضُوءِ فَقَطْ دُونَ مِيَاهِ الْمَرَاحِيضِ]، ثُمَّ ضَخُّهَا فِي خَزَّانٍ خَاصٍّ لِيَتَوَضَّأَ مِنْهَا الْمُصَلُّونَ مَرَّةً أُخْرَى؛ فَالْفِقْهُ الْمَالِكِيُّ يَحْكُمُ بِـ [صِحَّةِ الْوُضُوءِ بِهَا مَعَ كَرَاهَةِ ذَلِكَ تَنْزِيهاً] إِذَا كَانَ هُنَاكَ مَاءٌ جَدِيدٌ نَقِيٌّ مَوْجُودٌ.
المِثَالُ 2 : جَمْعُ الْمَاءِ النَّاتِجِ عَنْ [غَسْلِ الْأَيْدِي لِلْمَأْكُولِ أَوْ التَّبَرُّدِ النَّاشِئِ عَنِ الْحَرِّ الْقَائِظِ فِى الْمَصَانِعِ]، فَهَذَا مُسْتَعْمَلٌ فِي غَيْرِ حَدَثٍ؛ فَإِذَا أُرِيدَ إِدْخَالُهُ فِي التَّطْهِيرِ جَرَى فِيهِ [التَّرَدُّدُ النَّقْلِيُّ بَيْنَ الْكَرَاهَةِ وَالْجَوَازِ الْمُطْلَقِ].
الْنَّظَرُ الْفِقْهِيُّ لِلْمَسْأَلَةِ : يَدُورُ النَّظَرُ فِيهَا بَيْنَ إِعْمَالِ مَنَاطِ (الْأَصَالَةِ الطَّهُورِيَّةِ لِلْمَاءِ الَّتِي لَا تَزُولُ بِمُجَرَّدِ مُلَاقَاةِ الْبَدَنِ الطَّاهِرِ) وَهُوَ مَدْرَكٌ قَوِيٌّ تَعَضَّدَ بِالسُّنَّةِ، وَبَيْنَ تَنْقِيحِ مَدْرَكِ (رِعَايَةِ الْخِلَافِ الْعَالِي وَدَفْعِ تَقْذِيرِ الْعِبَادَةِ)؛ فَالْمَاءُ لَمَّا بَاشَرَ فَرْضاً تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَضَعُفَتْ قُوَّتُهُ النَّفْسِيَّةُ عِنْدَ النُّظَّارِ، مِمَّا أَوْجَبَ حُكْمَ الْكَرَاهَةِ مَشْرُوطاً بِالْقِلَّةِ وَوُجُودِ الْغَيْرِ. أَمَّا التَّرَدُّدُ فِي غَيْرِ الْحَدَثِ فَنَاشِئٌ عَنْ تَعَارُضِ النَّقْلِ فِى اِلْحَاقِ نَفْلِ الْعِبَادَةِ (كَالْغُسْلِ الْمَسْنُونِ) بِفَرْضِهَا فِي اسْتِحْقَاقِ الْكَرَاهَةِ.
وَمَنَاطَاتُ الْمَسْأَلَةِ : هَلْ كَوْنُ الْمَاءِ الْقَلِيلِ قَدْ بَاشَرَ أَعْضَاءَ رَفْعِ الْحَدَثِ مَنَاطٌ لِثُبُوتِ الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ مَعَ بَقَاءِ الطَّهُورِيَّةِ مَذْهَبِيّاً؟
الأَدِلَّةُ مِنْ :
1. الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ : {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ}
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ الْمَاءَ بِالْإِطْلَاقِ الْمُطَهِّرِ، فَلَا يَخْرُجُ عَنْ هَذَا الْوَصْفِ الْعَظِيمِ إِلَّا بِنَاقِضٍ بَيِّنٍ كَالتَّغَيُّرِ بِالنَّجَاسَةِ، فَدَلَّ عَلَى بَقَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ طَهُوراً بِلَا سَلْبٍ.
2. السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ : عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ × جَاءَ يَعُودُهُ فَوَجَدَهُ قَدْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ × ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ عَلَيْهِ.
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ : أَنَّ لَفْظَ وَضُوءَهُ هُنَا يَعْنِي الْمَاءَ الَّذِي تَسَاقَتَ مِنْ أَعْضَاءِ النَّبِيِّ × الْكَرِيمَةِ، فَلَوْ كَانَ قَدْ خَرَجَ عَنِ الطَّهُورِيَّةِ لَمَا صَبَّهُ عَلَيْهِ لِيَحْصُلَ مَقْصِدُ التَّطْهِيرِ وَالْبَرَكَةِ.
3. قِيَاسُ عِلَّةٍ : قِيَاسُ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ بِيَدِ الْمُتَعَبِّدِ عَلَى الثَّوْبِ الْمَبْلُولِ الَّذِي لَاقَى أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ، بِجَامِعِ كَوْنِ كِلَيْهِمَا جَوْهَراً طَاهِراً لَاقَى بَدَناً لَمْ تَقُمْ بِهِ نَجَاسَةٌ عَيْنِيَّةٌ، فَتَحَقَّقَتْ عِلَّةُ الطَّهَارَةِ.
4. قَاعِدَةُ : قَاعِدَةُ (الْخُرُوجُ مِنَ الْخِلَافِ الْفِقْهِيِّ الْمُعْتَبَرِ مُسْتَحَبٌّ فِى بَابِ الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ)؛ وَتَنْزِيلُهَا أَنَّ الْكَرَاهَةَ هُنَا شُرِعَتْ لِتَوَقِّي مَذْهَبِ مَنْ مَنَعَ التَّطْهِيرَ بِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ رَعْيَاً لِلْمَآلِ.
الْفَوَائِدُ :
تَتَجَلَّى النَّكْتَةُ الْأُصُولِيَّةُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي تَنْقِيحِ مُصْطَلَحِ (التَّرَدُّدِ) الَّذِي أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِى مَتْنِهِ؛ حَيْثُ بَيَّنَ عُلَمَاؤُنَا فِى شُرُوحِ التَّخْرِيجِ أَنَّ لَفْظَ التَّرَدُّدِ لَا يَعْنِي اضْطِرَاباً فِي النَّظَرِ الشَّخْصِيِّ لِلْخَلِيلِ، بَلْ هُوَ مُصْطَلَحٌ أُصُولِيٌّ اصْطِلَاحِيٌّ يَعْنِي بِهِ (عَدَمَ نَصِّ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى حُكْمِ النَّازِلَةِ، مَعَ تَعَارُضِ طُرُقِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي نَقْلِ الْحُكْمِ تَعْدِيَةً أَوْ مَنْعاً). فَمَنْ نَقَلَ الْكَرَاهَةَ فِى غَيْرِ الْحَدَثِ لَحَظَ الْجَامِعَ التَّعَبُّدِيَّ فِى مُلَاقَاةِ الْأَعْضَاءِ نَفْلاً، وَمَنْ نَقَلَ الْجَوَازَ الْمُطْلَقَ لَحَظَ قَصْرَ سَبَبِ الضَّعْفِ عَلَى رَفْعِ الْمَنْعِ الْحَدَثِيِّ الْوَاجِبِ فَقَطْ، مِمَّا يُبَيِّنُ دِقَّةَ التَّسْمِيَةِ الِاصْطِلَاحِيَّةِ نَفْياً لِلِاضْطِرَابِ الشَّرْعِيِّ مَذْهَبِيّاً.

 مُصْطَلَحَاتُ الشَّيْخِ خَلِيلٍ وَتَفْكِيكُهَا فِي الْمَتْنِ
اِسْتَعْمَلَ الْمُصَنِّفُ فِى هَذَا النَّظْمِ أَلْفَاظاً اصْطِلَاحِيَّةً دَقِيقَةً مَشْخُونَةً بِالْأَسْرَارِ التَّقْيِيدِيَّةِ، نُفَصِّلُهَا عَبْرَ هَذِهِ الْفِقْرَةِ:

 تَفْكِيكُ لَفْظِ [كُرِهَ] : يَسْتَعْمِلُهُ الْمُصَنِّفُ لِبَيَانِ الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَمَشْرُوطٌ فِى الْقَوَانِينَ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَاءٌ غَيْرُهُ قَدْ سَلِمَ مِنَ الِاسْتِعْمَالِ مَعَ قِلَّةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ نَفْساً.
 تَفْكِيكُ لَفْظِ [فِي حَدَثٍ] : قَيْدٌ طَرْدِيٌّ مَقْصُودٌ بِهِ إِخْرَاجُ مَا اسْتُعْمِلَ فِى الْعَادَاتِ الْبَحْتَةِ كَالْتَّبَرُّدِ وَإِزَالَةِ الْأَوْسَاخِ، فَإِنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ اِتِّفَاقاً لِعَدَمِ خُرُوجِهِ فِى تَعَبُّدٍ.
 تَفْكِيكُ لَفْظِ [تَرَدُّدٌ] : هُوَ رَمْزٌ خَاصٌّ بِاخْتِلَافِ الشُّرَّاحِ (كَأَبِي الْحَسَنِ وَابْنِ يُونُسَ) فِى فَهْمِ رِوَايَةِ الْأُمِّ حَيْثُ لَمْ يَجِدُوا نَصّاً جَلِيّاً مَنْقُولاً عَنْ مَالِكٍ فِى غَيْرِ الْحَدَثِ.
 بَيَانُ الْخِلَافِ فِي الْمَذْهَبِ :
1. الْمُعْتَمَدُ : كَرَاهَةُ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْقَلِيلِ الْمُسْتَعْمَلِ فِى حَدَثٍ مَعَ بَقَاءِ طَهُورِيَّتِهِ، وَوُجُودِ التَّرَدُّدِ النَّقْلِيِّ (بَيْنَ الْكَرَاهَةِ وَالْإِبَاحَةِ) فِيمَا اسْتُعْمِلَ فِى غَيْرِ حَدَثٍ مِمَّا هُوَ قُرْبَةٌ، وَهُوَ مَا جَزَمَ بِهِ خَلِيلٌ تَقْرِيراً لِلْمَشْهُورِ.
2. الْقَوْلُ الْمُقَابِلُ : مَا يَنْزِعُ إِلَيْهِ بَعْضُ النُّظَّارِ مِنْ سَلْبِ الطَّهُورِيَّةِ تَمَاماً إِلَى حَدِّ الطَّهَارَةِ غَيْرِ الْمُطَهِّرَةِ تَبَعاً لِلْغَيْرِ، وَهُوَ نَقْلٌ مَهْجُورٌ مَذْهَبِيّاً مَرْدُودٌ بِنَصِّ حَدِيثِ جَابِرٍ عِلْمِيّاً.
 التَّرْجِيحُ حَسَبَ قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ :
تُرَجَّحُ رِوَايَةُ الْكَرَاهَةِ الْمَشْرُوطَةِ فِى الْحَدَثِ مَعَ إِبْقَاءِ التَّرَدُّدِ فِى غَيْرِهِ تَبَعاً لِمَا سَطَّرَهُ خَلِيلٌ؛ وَذَلِكَ لِجَرَيَانِ قَاعِدَةُ (الْمُدَوَّنَةُ حَاكِمَةٌ وَمُقَدَّمَةٌ فِى تَقْرِيرِ أُصُولِ الطَّهَارَةِ) حَيْثُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهَا نَقْصُ جَوْهَرِ الْمَاءِ بِالْوُضُوءِ، وَقَاعِدَةُ (إِذَا صَرَّحَ الشَّيْخُ بِالْتَّرَدُّدِ وَجَبَ إِبْقَاءُ الْقَوْلَيْنِ جَارِيَيْنِ فِي الْقَضَاءِ دُونَ قَطْعٍ تَعَسُّفِيٍّ)؛ فَتَعَيَّنَ تَقْدِيمُ نَصِّ الْمَتْنِ الْمُعَضَّدِ بِشَرْحِ عِليشٍ وَالدَّرْدِيرِ حَسْماً لِلِاضْطِرَابِ الشَّرْعِيِّ مَذْهَبِيّاً.
 التَّرْجِيحُ حَسَبَ الدَّلِيلِ الْأُصُولِيِّ :
1. مَدْرَكُ الْمُعْتَمَدِ : إِعْمَالُ نَصِّ السُّنَّةِ (إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ) النَّافِي لِلسَّلْبِ الْوَضْعِيِّ، مَعَ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَعْلِيلِ التَّقْذِيرِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ الْعَالِي بِإِثْبَاتِ الْكَرَاهَةِ، فَكَانَ حُكْمُ الْمَتْنِ هُوَ الْأَعْدَلُ أُصُولِيّاً.
2. مَدْرَكُ الْمُقَابِلِ : إِلْغَاءُ خُصُوصِيَّةِ الطَّهَارَةِ الْمَالِكِيَّةِ لِلْمِيَاهِ وَالْجُمُودِ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُبَاشَرَةٍ لِلْعِبَادَةِ تُسْقِطُ صَلَاحِيَّةَ الْعَيْنِ تَعَبُّداً، مَعَ إِغْفَالِ التَّوْجِيهَاتِ النَّبَوِيَّةِ الصَّرِيحَةِ فِى فِعْلِ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ.
 تَحْرِيرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ :
مَحَلُّ النِّزَاعِ هُوَ فِي سَلْبِ طَهُورِيَّةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِى الْحَدَثِ أَوْ كَرَاهَتِهِ عِنْدَ إِعَادَتِهِ لِلطَّهَارَةِ الْوَاجِبَةِ. وَيُرَدُّ عَلَى ذَلِكَ مُبَاشَرَةً : أَنَّ الْمَشْهُورَ الْمَعْمُولَ بِهِ مَذْهَبِيّاً هُوَ بَقَاؤُهُ طَهُوراً مَعَ الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ إِذَا كَانَ قَلِيلاً وَوُجِدَ غَيْرُهُ، وَبَقَاءُ التَّرَدُّدِ النَّقْلِيِّ فِى غَيْرِ الْحَدَثِ، وَلَا عِبْرَةَ بِالْتَّشْدِيدَاتِ الَّتِي تَقْضِي بِسَلْبِهِ التَّطْهِيرَ، لِأَنَّ الْقَوَانِينَ الْمَالِكِيَّةَ تَبْنِي أَحْكَامَهَا عَلَى النُّصُوصِ الْأَثَرِيَّةِ وَرَفْعِ الْحَرَجِ التَّعَبُّدِيِّ عِنْدَ مُحَقِّقِي أَعْلَامِ الْمَذْهَبِ بِلَا تَرَدُّدٍ.

~~~~

المدرسة الرازية والمدرسة السنوسية: بين التمايز والتكامل

 المدرسة الرازية والمدرسة السنوسية: بين التمايز والتكامل
في علم الكلام: دراسة في أصول المنهج
(دراسة تحليلية مقارنة)
 شهد علم الكلام الأشعري تطورًا ملحوظًا عبر مراحله المختلفة، حتى أصبحت بعض الشخصيات العلمية تمثل محطات مفصلية في بناء مناهجه وتوجيه مساراته. ويعد الإمام فخر الدين الرازي (ت 606هـ) من أبرز من أعاد صياغة علم الكلام في ثوبه الفلسفي والمنطقي، بينما يمثل الإمام محمد بن يوسف السنوسي (ت 895هـ) ذروة مرحلة لاحقة اتسمت بإعادة تنظيم ذلك التراث وصياغته في قالب تعليمي محكم. وقد دفع هذا التطور بعض الباحثين إلى الحديث عن "مدرسة رازية" و"مدرسة سنوسية" بوصفهما اتجاهين مستقلين، في حين رأى آخرون أن الثانية ليست سوى امتداد للأولى.
وتسعى هذه الدراسة إلى اختبار هذه الفرضية من خلال تحليل البنية المنهجية للمدرستين، ومقارنة أصولهما المعرفية، ومسالكهما الاستدلالية، وموقفهما من الجدل والمنطق، وصولًا إلى تحديد طبيعة العلاقة بينهما: أهي علاقة تمايز أم علاقة تكامل؟
 أولًا: مفهوم المدرسة الكلامية وضوابط إطلاقها
لا يراد بالمدرسة الكلامية مجرد اجتماع عدد من العلماء في عصر واحد، ولا مجرد الاشتراك في الانتماء المذهبي، وإنما يقصد بها وجود نسق علمي متكامل تتحدد فيه أصول معرفية ومنهجية مشتركة، وتتوارثه طبقة من العلماء مع المحافظة على ملامحه الأساسية، وإن وقع بينهم اختلاف في بعض التطبيقات والاختيارات.
ومن ثم فإن إطلاق وصف "مدرسة" يقتضي تحقق عدة عناصر، أهمها: وحدة الأصول، وتميز المنهج، واستمرار التأثير، ووجود تلاميذ أو مؤلفات تجسد هذا البناء العلمي. وعلى هذا الأساس يصح الحديث عن المدرسة الرازية باعتبارها مرحلة متقدمة في تطور الكلام الأشعري، كما يصح الحديث عن المدرسة السنوسية باعتبارها اتجاهًا علميًا تميز بأسلوب خاص في عرض العقيدة وتقعيدها.

 ثانيًا: السمات المنهجية للمدرسة الرازية
تمثل المدرسة الرازية مرحلة النضج الفلسفي والمنطقي لعلم الكلام الأشعري، إذ وسع الإمام الرازي دائرة البحث العقلي، واستثمر أدوات المنطق الأرسطي في بناء الأدلة، كما أكثر من استقصاء الاحتمالات العقلية قبل الوصول إلى النتيجة المختارة.
ومن أبرز خصائصها:
 التوسع في صناعة الجدل وإيراد اعتراضات الخصوم قبل الجواب عنها.
 استقصاء جميع الاحتمالات العقلية الممكنة، ولو كانت بعيدة الوقوع.
 توظيف المنطق في بناء الأدلة الكلامية وتنظيمها.
 الجمع بين الأدلة العقلية والنقلية مع تقديم البرهان العقلي في مقام التأسيس.
 العناية بتحرير محل النزاع قبل مناقشته.
وقد أسهم هذا المنهج في رفع المستوى العقلي لعلم الكلام، لكنه أدى في الوقت نفسه إلى توسع كبير في الاستطرادات والمناظرات، مما جعل كثيرًا من مؤلفات الرازي موجهة إلى الباحثين والمتخصصين أكثر من المبتدئين.

 ثالثًا: الخصائص المنهجية للمدرسة السنوسية
أما المدرسة السنوسية فقد ورثت البناء العقدي الذي استقر عند المتأخرين، لكنها أعادت ترتيبه وصياغته بما يخدم التعليم والتكوين العلمي.

فلم يكن هم الإمام السنوسي استيعاب جميع الاحتمالات الجدلية، وإنما بناء الملكة العقدية الصحيحة عند الطالب، ولذلك اتسم منهجه بعدة خصائص، من أهمها:
 إحكام ترتيب المسائل العقدية وربط بعضها ببعض.
 الاختصار مع المحافظة على قوة البرهان.
 تقليل الجدل الافتراضي والاستطراد.
 تحرير المصطلحات الكلامية وضبطها.
 تحويل المادة الكلامية إلى متن تعليمي قابل للحفظ والشرح.
 الجمع بين البرهان العقلي والمقصد التربوي في آن واحد.
ومن هنا أصبحت مؤلفات السنوسي، وعلى رأسها أم البراهين، من أكثر المتون تداولًا في التعليم الأشعري عبر القرون.

 رابعًا: المقارنة بين المدرستين
عند المقارنة بين المدرستين يظهر أن الاتفاق بينهما أوسع بكثير من الاختلاف.
ففي مصادر المعرفة يعتمد كل منهما الحس والعقل والخبر الصادق، مع تقرير أن العقل هو الأداة التي تثبت بها أصول الاعتقاد، ثم يأتي النقل مؤيدًا ومفصلًا لما أثبته العقل.
وفي منهج الاستدلال يقوم كلاهما على البرهان العقلي، غير أن الرازي يتوسع في ذكر الاعتراضات والاحتمالات، بينما يقتصر السنوسي غالبًا على البرهان الذي يراه أرجح وأقرب إلى الإقناع.
أما في قضايا الإلهيات والنبوات والسمعيات فلا يظهر اختلاف جوهري في البناء العقدي؛ إذ يلتزمان الأصول الأشعرية نفسها في إثبات وجود الله وصفاته، وإثبات النبوات، وما يتعلق بالسمعيات، وإنما يقع الاختلاف في طريقة العرض، وحجم المناقشات، وترتيب الأدلة.
وفي صناعة الجدل يبدو الفرق أوضح؛ فالرازي يجعل الجدل جزءًا أصيلًا من عملية بناء البرهان، بينما يحوله السنوسي إلى أداة ثانوية لا يلجأ إليها إلا عند الحاجة، مفضلًا التركيز على البرهان المباشر الواضح.

 خامسًا: أثر الإمام الرازي في التكوين العلمي للسنوسي
تكشف مؤلفات السنوسي عن تأثر واضح بالتراث الكلامي الذي بلغ نضجه عند الإمام الرازي ومن جاء بعده، سواء في بناء الأدلة أو في ترتيب كثير من القضايا العقدية أو في اعتماد البرهان العقلي أساسًا للاستدلال.
غير أن هذا التأثر لم يكن تقليدًا محضًا؛ فقد مارس السنوسي نوعًا من الاختيار والترجيح وإعادة الصياغة، فاستبعد كثيرًا من المباحث الجدلية التي لا يحتاج إليها المقام التعليمي، وأعاد تنظيم المادة العلمية في صورة أكثر إحكامًا، مع عناية خاصة بضبط المصطلحات وتقعيد القواعد.
ومن ثم فإن شخصيته العلمية لا تتمثل في إنشاء مذهب كلامي جديد، وإنما في إعادة بناء التراث الكلامي المتأخر في قالب تعليمي ومنهجي أكثر تماسكًا.

 خاتمة
تؤدي هذه الدراسة إلى نتيجة مفادها أن العلاقة بين المدرسة الرازية والمدرسة السنوسية ليست علاقة انفصال ولا علاقة تطابق كامل، وإنما هي علاقة تكامل وامتداد تاريخي ومنهجي.
فالمدرسة السنوسية حافظت على الأصول المعرفية والعقدية التي استقرت في المدرسة الرازية، واستفادت من منهجها البرهاني، لكنها أعادت صياغته بما يتناسب مع مقاصد التعليم، فخففت من الاستطراد الجدلي، واعتنت بتحرير المصطلحات، وأحكمت ترتيب المسائل، مما أكسبها شخصية منهجية متميزة داخل الامتداد الأشعري.
ومن هنا يبدو أن الفصل الحاد بين المدرستين لا يعبر عن حقيقة التطور التاريخي لعلم الكلام؛ إذ إن السنوسي لم يؤسس مشروعًا منفصلًا عن الرازي، كما أنه لم يقتصر على مجرد تلخيصه، بل مارس عملية إعادة بناء للمشروع الكلامي الأشعري، حافظ فيها على الأصول، وجدد في المنهج، حتى أصبحت المدرسة السنوسية تمثل مرحلة النضج التعليمي للكلام الأشعري الذي بلغت أسسه البرهانية ذروتها مع الإمام فخر الدين الرازي.

حكم المخالط الموافق للماء كماء الورد

 وفِي جَعْلِ الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ كَالْمُخَالِفِ نَظَرٌ وفِي التَّطْهِيرِ بِمَاءٍ جُعِلَ فِي الْفَمِ قَوْلانِ
   تُشيرُ هَذِهِ العِبَارَةُ عِنْدَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ إِلَى مَسْأَلَةٍ افْتِرَاضِيَّةٍ، وَهِيَ إِذَا سَقَطَ فِي المَاءِ شَيْءٌ "مُخَالِطٌ" لَكِنَّ صِفَاتِهِ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ تُوَافِقُ صِفَاتِ المَاءِ تَمَاماً كَمَاءِ الوَرْدِ الَّذِي فَقَدَ رِيحَهُ، أَوْ مَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ، بِحَيْثُ لَوْ وُضِعَ فِي المَاءِ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ أَثَرٌ مَحْسُوسٌ.
فَقَوْلُهُ "فِي جَعْلِهِ كَالْمُخَالِفِ نَظَرٌ" يَعْنِي أَنَّ هُنَاكَ تَرَدُّداً فِي المَذْهَبِ: هَلْ نُقَدِّرُ أَنَّ هَذَا الطَّاهِرَ لَوْ كَانَ مُخَالِفاً لَغَيَّرَ المَاءَ فَيُسْلَبُ الطَّهُورِيَّةَ، أَمْ نَعْتَمِدُ عَلَى مَا هُوَ مَوْجُودٌ فِعْلِيّاً فَلَا يُسْلَبُ؟
وَالدَّلِيلُ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ يَدُورُ بَيْنَ اتِّجَاهَيْنِ:
أَوَّلاً: وَجْهُ قَوْلِ مَنْ يَرَى "السَّلْبَ" التَّقْدِيرُ
القِيَاسُ عَلَى المُخَالِفِ: يَرَى أَصْحَابُ هَذَا القَوْلِ أَنَّ العِبْرَةَ بِـ "حَقِيقَةِ المُخَالَطَةِ" لَا بِظُهُورِ الأَثَرِ فَقَطْ. فَكَمَا أَنَّ الزَّعْفَرَانَ يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ، فَكَذَلِكَ مَاءُ الوَرْدِ وَإِنْ فَقَدَ رِيحَهُ هُوَ أَجْنَبِيٌّ، وَلَوْ كَانَ لَهُ رِيحٌ لَغَيَّرَ المَاءَ، فَالغَلَبَةُ هُنَا "تَقْدِيرِيَّةٌ".
الدَّلِيلُ: أَنَّ المَاءَ لَمْ يَعُدْ "مَاءً مُطْلَقاً" فِي حَقِيقَةِ الأَمْرِ، بَلْ هُوَ مَاءٌ مَزِيجٌ، وَالشَّارِعُ أَمَرَ بِالتَّطَهُّرِ بِالمَاءِ الخَالِصِ.
ثَانِيًا: وَجْهُ قَوْلِ مَنْ يَرَى "عَدَمَ السَّلْبِ" البَقَاءُ عَلَى الأَصْلِ
اسْتِصْحَابُ الأَصْلِ: المَاءُ كَانَ طَهُوراً بِيَقِينٍ، وَهَذَا المُخَالِطُ لَمْ يُغَيِّرْ صِفَاتِهِ تَمَاماً، فَاليَقِينُ لَا يَزُولُ إِلَّا بِتَغَيُّرٍ مُحَقَّقٍ.
الدَّلِيلُ: قَوْلُ النَّبِيِّ × : «إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» وَقِيسَ عَلَيْهِ الطَّاهِرُ، فَمَادَامَ لَمْ يَحْدُثْ تَغَيُّرٌ مَحْسُوسٌ لِلْحَوَاسِّ البَشَرِيَّةِ فِي اللَّوْنِ أَوِ الطَّعْمِ أَوِ الرِّيحِ، بَقِيَ المَاءُ عَلَى صِفَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ الطَّهُورِيَّةُ.
ثَالِثًا: مَعْنَى "النَّظَرِ" عِنْدَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ
كَلِمَةُ "نَظَرٌ" فِي اصْطِلَاحِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ الدَّلِيلَ لَمْ يَنْحَسِمْ لِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، أَوْ أَنَّ النَّقْلَ عَنِ الأَئِمَّةِ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ فِيهِ إِشْكَالٌ.
وَجْهُ النَّظَرِ: هُوَ التَّعَارُضُ بَيْنَ "الرَّعْيِ لِلْمَادَّةِ" أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ فَتَسْلُبُ وَبَيْنَ "الرَّعْيِ لِلصِّفَةِ" أَنَّ المَاءَ لَمْ يَتَغَيَّرْ حِسًّا فَلَا يَسْلُبُ.
هَذِهِ المَسْأَلَةُ تُسَمَّى "التَّقْدِيرُ فِي المَائِعَاتِ المُوافِقَةِ"، وَالمُعْتَمَدُ عِنْدَ مُتَأَخِّرِي المَالِكِيَّةِ أَنَّهُ إِذَا خَالَطَ المَاءَ مُوَافِقٌ طَاهِرٌ كَمَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ لَمْ يَسْلُبْهُ الطَّهُورِيَّةَ، أَمَّا إِذَا كَانَ المُوَافِقُ نَجِساً كَبَوْلٍ انْقَطَعَتْ رَائِحَتُهُ فَالِاحْتِيَاطُ هُوَ السَّلْبُ إِذَا كَانَ بِمِقْدَارٍ لَوْ خَالَفَ لَغَيَّرَ.
   تُشيرُ هَذِهِ العِبَارَةُ عِنْدَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ إِلَى الخِلَافِ فِي المَاءِ الَّذِي جَعَلَهُ الشَّخْصُ فِي فَمِهِ مَجَّهُ ثُمَّ صَبَّهُ فِي إِنَاءٍ: هَلْ يَبْقَى طَهُوراً يَصِحُّ التَّطَهُّرُ بِهِ، أَمْ يَصِيرُ طَاهِراً غَيْرَ مُطَهِّرٍ؟
وَمَنْشَأُ "القَوْلَيْنِ" يَعُودُ إِلَى تَعَارُضِ الأَدِلَّةِ وَالنَّظَرِ فِي هَذَا المَاءِ:
القَوْلُ الأَوَّلُ: الجَوَازُ بَقَاءُ الطَّهُورِيَّةِ
الدَّلِيلُ: الِاسْتِصْحَابُ؛ فَالْمَاءُ دَخَلَ الفَمَ طَهُوراً، وَالأَصْلُ بَقَاؤُهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى تَغَيُّرِهِ.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ فَمَ الإِنْسَانِ الطَّاهِرِ لَيْسَ بِنَجِسٍ، وَمُجَرَّدُ مُلَامَسَةِ المَاءِ لَهُ لَا تَسْلُبُهُ صِفَةَ الإِطْلَاقِ، كَمَا لَا تَسْلُبُهُ رُطُوبَةُ اليَدِ عِنْدَ غَسْلِهَا.
السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ: ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ×  «مَجَّ مَجَّةً فِي دَلْوٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ يُنَجِّسُ المَاءَ أَوْ يَسْلُبُهُ طَهُورِيَّتَهُ لَمَا فَعَلَهُ × ، إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِإِتْلَافِ المَاءِ.
القَوْلُ الثَّانِي: عَدَمُ الجَوَازِ السَّلْبُ
الدَّلِيلُ: التَّغَيُّرُ بِالمُخَالِطِ الأَجْنَبِيِّ الرِّيقِ؛ فَالرِّيقُ مَادَّةٌ طَاهِرَةٌ لَكِنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ عَنِ المَاءِ، وَالفَمُ لَا يَخْلُو غَالِباً مِنَ الرِّيقِ وَبَقَايَا تَعَفُّنِ الأَسْنَانِ الخُلُوفِ.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ المَاءَ إِذَا دَخَلَ الفَمَ وَمَكَثَ فِيهِ ثُمَّ خَرَجَ، فَالغَالِبُ أَنَّهُ خَالَطَهُ الرِّيقُ وَغَيَّرَ صِفَاتِهِ وَإِنْ كَانَ التَّغَيُّرُ خَفِيّاً، فَصَارَ كَمَا لَوْ خَالَطَهُ طَاهِرٌ أَجْنَبِيٌّ سَلَبَهُ اسْمَ "المَاءِ المُطْلَقِ".
سَبَبُ الخِلَافِ النُّكْتَةُ الفِقْهِيَّةُ:
يَعُودُ "القَوْلَانِ" إِلَى التَّرَدُّدِ فِي رِيقِ الإِنْسَانِ:
هَلْ هُوَ مِمَّا يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ فِي الوُضُوءِ وَالسِّوَاكِ؟ فَيَكُونُ المَاءُ طَهُوراً.
أَمْ هُوَ أَجْنَبِيٌّ خَالَطَ المَاءَ وَمَكْثُهُ فِيهِ مَقْصُودٌ؟ فَيُسْلَبُ الطَّهُورِيَّةُ إِذَا فُرِضَ التَّغَيُّرُ.
مَحَلُّ الخِلَافِ فِي المَذْهَبِ إِذَا لَمْ يَتَغَيَّرِ المَاءُ تَغَيُّراً بَيِّناً، أَمَّا إِذَا خَرَجَ المَاءُ مِنَ الفَمِ مُتَغَيِّراً لَوْناً أَوْ رِيحاً بِحَيْثُ يُدْرَكُ بِالحِسِّ، فَإِنَّهُ يُسْلَبُ الطَّهُورِيَّةَ قَوْلاً وَاحِداً لِقَاعِدَةِ: "التَّغَيُّرُ بِالطَّاهِرِ الأَجْنَبِيِّ يَسْلُبُ".
التفصيل :
إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ جَعْلِ الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ كَالْمُخَالِفِ وَالتَّطْهِيرِ بِمَاءٍ جُعِلَ فِي الْفَمِ.
وَهِيَ تَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ تَقْدِيرِ الْغَلَبَةِ فِي الْمَائِعَاتِ الْمُوَافِقَةِ لِلْمَاءِ فِي صِفَاتِهِ، وَحُكْمِ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْمَمْجُوجِ مِنَ الْفَمِ.

أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ لِلْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ: (وَفِي جَعْلِ الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ كَالْمُخَالِفِ نَظَرٌ وفِي التَّطْهِيرِ بِمَاءٍ جُعِلَ فِي الْفَمِ قَوْلانِ).

 الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: جَعْلُ الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ كَالْمُخَالِفِ
تُصَوَّرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِمَا إِذَا سَقَطَ فِي الْمَاءِ شَيْءٌ طَاهِرٌ مُخَالِطٌ، لَكِنَّ صِفَاتِهِ (اللَّوْنَ وَالطَّعْمَ وَالرَّائِحَةَ) تُوَافِقُ صِفَاتِ الْمَاءِ تَمَاماً، كَمَاءِ الْوَرْدِ الْمُنْقَطِعِ الرَّائِحَةِ، أَوْ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي رَفْعِ حَدَثٍ؛ فَإِذَا صُبَّ فِي الْمَاءِ الْمُطْلَقِ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ أَثَرٌ مَحْسُوسٌ لِمُوَافَقَتِهِ لَهُ. فَقَوْلُهُ: «وَفِي جَعْلِ الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ كَالْمُخَالِفِ نَظَرٌ» يَعْنِي أَنَّ هُنَاكَ تَرَدُّداً فِي الْمَذْهَبِ بَيْنَ أَنْ نُقَدِّرَ أَنَّ هَذَا الطَّاهِرَ الْمُوَافِقَ لَوْ كَانَ مُخَالِفاً لِلْمَاءِ فِي صِفَاتِهِ لَغَيَّرَهُ فَيُسْلَبَ الطَّهُورِيَّةَ، أَمْ نَعْتَمِدَ عَلَى الْأَصْلِ الْمَوْجُودِ حِسّاً فَلَا يُسْلَبَ.

 إِقَامَةُ الدَّلِيلِ:
 الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ (السُّنَّةُ الشَّرِيفَةُ):
قَوْلُ النَّبِيِّ × : «إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» رواه أحمد والترمذي وصححه.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ الْحُكْمَ بِالطَّهُورِيَّةِ لِلْمَاءِ ثَابِتٌ بِيَقِينٍ، وَالشَّارِعُ أَنَاطَ الْأَحْكَامَ بِالْأُمُورِ الْمَحْسُوسَةِ الْمَوْجُودَةِ لَا بِالْأُمُورِ التَّقْدِيرِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ؛ وَمَادَامَ الْمَاءُ لَمْ يَحْدُثْ فِيهِ تَغَيُّرٌ يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ الْبَشَرِيَّةِ فِي صِفَاتِهِ الثَّلَاثِ، فَهُوَ بَاقٍ عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ طَهُوراً.
 الدَّلِيلُ الثَّانِي (الْقَاعِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ):
قَاعِدَةُ: «الْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ».
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ طَهُورِيَّةَ الْمَاءِ مُتَيَقَّنَةٌ، وَزَوَالَهَا بِهَذَا الْمُخَالِطِ الطَّاهِرِ الْمُسَاوِي لِلْمَاءِ فِي صِفَاتِهِ مَشْكُوكٌ فِيهِ لِعَدَمِ ظُهُورِ التَّغَيُّرِ، فَلَا يَزُولُ الْيَقِينُ الشَّرْعِيُّ بِالْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ الِافْتِرَاضِيِّ، فَيُسْتَصْحَبُ أَصْلُ الطَّهُورِيَّةِ.
 الدَّلِيلُ الثَّالِثُ (قِيَاسُ الْعِلَّةِ):
قِيَاسُ الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ عَلَى الْمُخَالِفِ الْأَجْنَبِيِّ عِلَّةً وَحُكْماً.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ عِلَّةَ سَلْبِ الطَّهُورِيَّةِ فِي الْمُخَالِفِ (كَالزَّعْفَرَانِ وَالصَّابُونِ) هِيَ «حَقِيقَةُ الْمُخَالَطَةِ» الَّتِي تُخْرِجُ الْمَاءَ عَنْ إِطْلَاقِهِ، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي الْمُوَافِقِ (كَمَاءِ الْوَرْدِ الْمُنْقَطِعِ الرَّائِحَةِ)؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ عَنِ الْمَاءِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مَقَرِّهِ وَلَا مَمَرِّهِ، فَلَوْ فُرِضَ مُخَالِفاً لَظَهَرَ أَثَرُهُ تَقْدِيراً، فَالْغَلَبَةُ التَّقْدِيرِيَّةُ تَقُومُ مَقَامَ الْحِسِّيَّةِ فِي إِزَالَةِ صِفَةِ الْإِطْلَاقِ.
 الدَّلِيلُ الرَّابِعُ (قِيَاسُ الطَّرْدِ):
قِيَاسُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى تَقْدِيرِ الْغَلَبَةِ فِي النَّجَاسَاتِ.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّهُمْ قَالُوا فِي الْمُوَافِقِ النَّجِسِ (كَالْبَوْلِ الْمُنْقَطِعِ الرَّائِحَةِ) إِذَا سَقَطَ فِي الْمَاءِ: إِنَّهُ يُقَدَّرُ مُخَالِفاً لِلِاحْتِيَاطِ فِي أَمْرِ النَّجَاسَةِ، فَيُطْرَدُ هَذَا التَّقْدِيرُ فِي الْمُوَافِقِ الطَّاهِرِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَجْنَبِيٌّ خَالَطَ الْمَاءَ بِمِقْدَارٍ لَوْ كَانَ مُخَالِفاً لَغَيَّرَهُ.

 الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: التَّطْهِيرُ بِمَاءٍ جُعِلَ فِي الْفَمِ

تُصَوَّرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيمَا إِذَا جَعَلَ الْمُتَوَضِّئُ مَاءً فِي فَمِهِ ثُمَّ مَجَّهُ (أَيْ صَبَّهُ) فِي إِنَاءٍ دُونَ أَنْ يَظْهَرَ فِيهِ تَغَيُّرٌ بَيِّنٌ؛ فَهَلْ يَبْقَى طَهُوراً يَصِحُّ التَّطَهُّرُ بِهِ، أَمْ يَصِيرُ طَاهِراً غَيْرَ مُطَهِّرٍ؟ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ قَوْلَانِ جَارِيَانِ.

 إِقَامَةُ الدَّلِيلِ:

 الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ (السُّنَّةُ الشَّرِيفَةُ  لِقَوْلِ الْجَوَازِ):
مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ × أَنَّهُ: «مَجَّ مَجَّةً فِي دَلْوٍ».
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ فِعْلَهُ × صَرِيحٌ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْمَمْجُوجِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ الْمَجُّ فِي الْفَمِ يَسْلُبُ الْمَاءَ طَهُورِيَّتَهُ لَمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ × لِأَنَّ الشَّرْعَ يَنْهَى عَنْ إِفْسَادِ الْمِيَاهِ وَإِتْلَافِهَا، فَدَلَّ عَلَى بَقَاءِ طَهُورِيَّتِهِ.
 الدَّلِيلُ الثَّانِي (الْقَاعِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ  لِقَوْلِ الْجَوَازِ):
قَاعِدَةُ: «مَا عَسُرَ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ».
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ رِيقَ الْإِنْسَانِ مِمَّا يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فِي مَقَامِ الْوُضُوءِ وَالسِّوَاكِ وَالْمَضْمَضَةِ، فَمُلَامَسَةُ الْمَاءِ لِفَمِ الْمُتَطَهِّرِ لَا تَسْلُبُهُ صِفَةَ الطَّهُورِيَّةِ لِلْمَشَقَّةِ، فَيَجْرِي فِيهِ الْعَفْوُ تَيْسِيراً عَلَى الْمُكَلَّفِينَ.
 الدَّلِيلُ الثَّالِثُ (قِيَاسُ الْعِلَّةِ  لِقَوْلِ السَّلْبِ):
قِيَاسُ الْمَاءِ الْمَمْجُوجِ عَلَى الْمَاءِ الْمُخَالِطِ لِلْأَجْنَبِيِّ الطَّاهِرِ.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ عِلَّةَ السَّلْبِ هِيَ «الْمُخَالَطَةُ لِلْأَجْنَبِيِّ الطَّاهِرِ الَّذِي يَسْلُبُ صِفَةَ الْإِطْلَاقِ»، وَالرِّيقُ مَادَّةٌ طَاهِرَةٌ لَكِنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ عَنِ الْمَاءِ، وَالْفَمُ لَا يَخْلُو غَالِباً مِنَ الرِّيقِ وَالْخُلُوفِ؛ فَمَكْثُ الْمَاءِ فِي الْفَمِ يُؤَدِّي حَتْماً إِلَى مَزْجِهِ بِالرِّيقِ تَقْدِيراً، فَيَصِيرُ الْمَاءُ مُقَيَّداً بِإِضَافَتِهِ إِلَى الرِّيقِ فَيُسْلَبُ الطَّهُورِيَّةَ.
 الدَّلِيلُ الرَّابِعُ (قِيَاسُ الطَّرْدِ  لِقَوْلِ السَّلْبِ):
قِيَاسُ مَاءِ الْفَمِ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي خَالَطَهُ طَاهِرٌ أَجْنَبِيٌّ خَارِجِيٌّ كَالْعَصِيرِ وَالْحَلِيبِ.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّهُ كَمَا يُسْلَبُ الْمَاءُ طَهُورِيَّتَهُ إِذَا خَالَطَهُ الْعَصِيرُ، فَكَذَلِكَ إِذَا خَالَطَهُ الرِّيقُ فِي الْفَمِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا خَلَطٌ أَجْنَبِيٌّ طَاهِرٌ، وَتَعَلُّقُ النَّفْسِ بِهِ فِي الْفَمِ مَقْصُودٌ، فَيَقْتَضِي ذَلِكَ السَّلْبَ.
تَقْرِيرُ النُّكَتِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْفَوَائِدِ الْفِقْهِيَّةِ الْمُسْتَخْرَجَةِ مِنْ مَدَارِكِ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ:

 أَوَّلًا: النُّكَتُ الْفِقْهِيَّةُ فِي مَسْأَلَةِ الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ
 النُّكْتَةُ الْأُولَى (رَعْيُ الْمَادَّةِ ضِدَّ رَعْيِ الصِّفَةِ):
مَنْشَأُ «النَّظَرِ» الَّذِي أَوْرَدَهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ يَئُولُ إِلَى التَّنَازُعِ بَيْنَ أَصْلَيْنِ؛ هَلِ الْعِبْرَةُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِـ «الْأَعْيَانِ وَالْحَقَائِقِ» أَمْ بِـ «الْآثَارِ وَالصِّفَاتِ»؟ فَمَنْ رَعَى «الْمَادَّةَ» قَالَ: هَذَا مَاءٌ مَزِيجٌ بِأَجْنَبِيٍّ فِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ فَيُسْلَبُ، وَمَنْ رَعَى «الصِّفَةَ» قَالَ: الْأَحْكَامُ تَدُورُ مَعَ الْعِلَلِ الْمَحْسُوسَةِ، وَمَادَامَ التَّغَيُّرُ مَفْقُوداً فَالصِّفَةُ الشَّرْعِيَّةُ (الْإِطْلَاقُ) بَاقِيَةٌ.
 النُّكْتَةُ الثَّانِيَةُ (الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُوَافِقِ الطَّاهِرِ وَالْمُوَافِقِ النَّجِسِ):
فَرَّقَ مُتَأَخِّرُو الْمَالِكِيَّةِ فِي الْمُعْتَمَدِ بَيْنَ الْمُوَافِقِ الطَّاهِرِ (كَمَاءِ الْوَرْدِ الْمُنْقَطِعِ) فَلَمْ يَسْلُبُوا الْمَاءَ طَهُورِيَّتَهُ، بَيْنَمَا أَوْجَبُوا السَّلْبَ وَالِاحْتِيَاطَ فِي الْمُوَافِقِ النَّجِسِ (كَالْبَوْلِ الْمُنْقَطِعِ الرَّائِحَةِ)؛ لِأَنَّ بَابَ الطَّهَارَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّيْسِيرِ فَلَا نَنْقُلُ الْمَاءَ عَنْ أَصْلِهِ بِالْفَرْضِ، بَيْنَمَا بَابُ النَّجَاسَاتِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْجَزْمِ وَالِاحْتِيَاطِ لِخُطُورَةِ مَلَافَحَتِهَا لِلْعِبَادَةِ.
 ثَانِيًا: النُّكَتُ الْفِقْهِيَّةُ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ الْمَمْجُوجِ مِنَ الْفَمِ
 النُّكْتَةُ الْأُولَى (طَبِيعَةُ الرِّيقِ بَيْنَ الِاتِّصَالِ وَالِانْفِصَالِ):
يَعُودُ الْخِلَافُ فِي السَّلْبِ وَعَدَمِهِ إِلَى النَّظَرِ فِي رِيقِ الْإِنْسَانِ؛ فَمَنْ رَآهُ جُزْءاً مُتَّصِلاً بِالْفَمِ يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فِي مَقَامِ الْمَضْمَضَةِ أَلْحَقَهُ بِمَا يَخْرُجُ مِنْ مَقَرِّ الْمَاءِ وَمَمَرِّهِ فَلَمْ يَحْكُمْ بِالسَّلْبِ، وَمَنْ رَآهُ مَادَّةً مُنْفَصِلَةً مُسْتَقِلَّةً عَنِ الْمَاءِ عِظَمَ مُكْثُ الْمَاءِ مَعَهَا لَحِقَهُ بِالْأَجْنَبِيِّ الْمُجَاوِرِ الَّذِي يُوجِبُ التَّقْيِيدَ فَقَالَ بِالسَّلْبِ.
 النُّكْتَةُ الثَّانِيَةُ (مَحَلُّ التَّرَدُّدِ وَالْإِجْمَاعِ):
مَحَلُّ «الْقَوْلَيْنِ» عِنْدَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ هُوَ إِذَا خَرَجَ الْمَاءُ مِنَ الْفَمِ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ تَبَعاً لِلْحِسِّ، أَمَّا إِذَا خَرَجَ الْمَاءُ وَقَدْ تَغَيَّرَ صَرِيحاً فِي لَوْنِهِ أَوْ طَعْمِهِ أَوْ رِيحِهِ بِسَبَبِ بَقَايَا طَعَامٍ أَوْ تَعَفُّنٍ يُدْرَكُ بِالْعَيْنِ، فَإِنَّهُ يُسْلَبُ الطَّهُورِيَّةَ قَوْلاً وَاحِداً وَبِلَا خِلَافٍ، جَرْياً عَلَى قَاعِدَةِ: «التَّغَيُّرُ بِالطَّاهِرِ الْأَجْنَبِيِّ الْمَحْسُوسِ يَسْلُبُ».

حكم ماء البئراذا سقط ورق الشجر

 أَوْ بِئْرٍ بِوَرَقِ شَجَرٍ أَوْ تِبْنٍ.  الأَظْهَرُ فِي بِئْرِ الْبَادِيَةِ بِهِمَا الْجَوَاز
 تُشيرُ هَذِهِ العِبَارَةُ عِنْدَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ إِلَى أَنَّ المَاءَ إِذَا تَغَيَّرَ بِـ "وَرَقِ الشَّجَرِ" أَوِ "التِّبْنِ" الَّذِي سَقَطَ فِيهِ، فَإِنَّ هَذَا التَّغَيُّرَ "يَضُرُّ" وَيَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ عَنِ المَاءِ، لِأَنَّ هَذِهِ المَوَادَّ تُعَدُّ "مِمَّا يُفَارِقُ المَاءَ غَالِباً". وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ يَسْتَنِدُ إِلَى مَا يَلِي:
أَوَّلاً: انْتِفَاءُ عِلَّةِ "الْمُلَازَمَةِ" وَ "الضَّرُورَةِ"
يَرَى الفُقَهَاءُ أَنَّ وَرَقَ الشَّجَرِ وَالتِّبْنَ لَيْسَا مِنْ مَقَرِّ المَاءِ (كالتُّرَابِ وَالمِلْحِ) وَلَا مِمَّا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ (كالطُّحْلُبِ)، بَلْ هِيَ أَجْسَامٌ أَجْنَبِيَّةٌ عَنِ المَاءِ انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ مِنْ مَكَانٍ آخَرَ.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: لَمَّا كَانَ يُمْكِنُ صَوْنُ البِئْرِ بِتَغْطِيَتِهَا أَوْ تَنْظِيفِهَا، فَإِنَّ التَّغَيُّرَ النَّاتِجَ عَنْ هَذِهِ الأَشْيَاءِ يَلْحَقُ بِجِنْسِ "الطَّاهِرِ الأَجْنَبِيِّ" الَّذِي يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ إِذَا غَيَّرَ أَحَدَ الأَوْصَافِ بَيَانًا، لِانْتِفَاءِ الضَّرُورَةِ المُلْجِئَةِ لِلْعَفْوِ.
ثَانِيًا: الخُرُوجُ عَنِ اسْمِ "الْمَاءِ الْمُطْلَقِ"
إِذَا تَغَيَّرَ مَاءُ البِئْرِ بِوَرَقِ الشَّجَرِ حَتَّى صَارَ لَهُ طَعْمٌ أَوْ لَوْنٌ ظَاهِرٌ، فَقَدْ صَارَ يُسَمَّى "مَاءَ شَجَرٍ" أَوْ "نُقَاعَةَ وَرَقٍ"، وَهُوَ خُرُوجٌ عَنْ "الإِطْلَاقِ" الَّذِي اشْتَرَطَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ×  كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالمَاءِ الَّذِي بَقِيَ عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ، وَالمَاءُ الَّذِي غَلَبَتْ عَلَيْهِ أَجْزَاءُ الشَّجَرِ لَمْ يَعُدْ مَاءً خَالِصاً.
ثَالِثًا: القِيَاسُ عَلَى مَا طُبِخَ فِيهِ طَاهِرٌ
قِيسَ سُقُوطُ الوَرَقِ وَالتِّبْنِ فِي المَاءِ عَلَى "طَبْخِ" الطَّاهِرَاتِ فِيهِ؛ فَكَمَا أَنَّ طَبْخَ البُقُولِ أَوِ الأَعْشَابِ فِي المَاءِ يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ إِذَا غَيَّرَهُ، فَكَذَلِكَ "نَقْعُهَا" فِيهِ (وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ فِعْلِ آدَمِيٍّ) يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ مَا دَامَ التَّغَيُّرُ نَاتِجاً عَنْ مَادَّةٍ تَنْفَكُّ عَنِ المَاءِ غَالِباً.
نَبَّهَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ هُنَا إِلَى أَنَّ الحُكْمَ بِالسَّلْبِ يَكُونُ إِذَا كَانَ الوَرَقُ نَاتِجاً عَنْ شَجَرٍ "بَعِيدٍ" عَنِ البِئْرِ أَوْ نُقِلَ إِلَيْهَا قَصْداً. أَمَّا إِذَا كَانَ الشَّجَرُ مُطِلًّا عَلَى البِئْرِ وَيَسْقُطُ وَرَقُهُ فِيهَا بِاسْتِمْرَارٍ بِحَيْثُ يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، فَقَدْ صَحَّحَ بَعْضُ المَالِكِيَّةِ (مِثْلَ اللَّخْمِيِّ) أَنَّهُ لَا يَضُرُّ لِلضَّرُورَةِ، لَكِنَّ المَشْهُورَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ المُصَنِّفُ هُوَ السَّلْبُ لِقُوَّةِ "الأَجْنَبِيَّةِ" فِيهِ.

 تُشيرُ هَذِهِ العِبَارَةُ عِنْدَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ إِلَى اسْتِثْنَاءٍ لِقَاعِدَةِ السَّلْبِ السَّابِقَةِ، حَيْثُ نَقَلَ "الظُّهُورَ" (أَيِ القَوْلَ الأَظْهَرَ لِقُوَّةِ دَلِيلِهِ) بِأَنَّ مَاءَ البِئْرِ فِي البَادِيَةِ إِذَا تَغَيَّرَ بِوَرَقِ الشَّجَرِ أَوِ التِّبْنِ، فَإِنَّهُ يَبْقَى طَهُوراً وَيَجُوزُ التَّطَهُّرُ بِهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا "الأَظْهَرِ" يَعْتَمِدُ عَلَى مَا يَلِي:
أَوَّلاً: قَاعِدَةُ "عُمُومِ البَلْوَى" وَ "عُسْرِ الِاحْتِرَازِ"
آبَارُ البَادِيَةِ غَالِبًا مَا تَكُونُ فِي مَكْشُوفَةً وَتُحِيطُ بِهَا الأَشْجَارُ، وَتَهُبُّ عَلَيْهَا الرِّيَاحُ بِالتِّبْنِ وَالوَرَقِ، فَيَشُقُّ جِدًّا عَلَى أَهْلِ البَادِيَةِ صَوْنُ هَذِهِ الآبَارِ عَنْ ذَلِكَ.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ "المَشَقَّةَ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ"، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالتَّيْسِيرِ فِي العِبَادَةِ فَقَالَ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. فَلَمَّا تَعَذَّرَ الِاحْتِرَازُ عَنْ هَذِهِ المُغَيِّرَاتِ فِي تِلْكَ البِيئَةِ، أُلْحِقَتْ بِـ "مَا فِي مَقَرِّ المَاءِ" مِمَّا لَا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ.
ثَانِيًا: تَقْرِيرُ النَّبِيِّ ×  لِأَهْلِ البَوَادِي
كَانَ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ×  يَرْتَادُونَ مِيَاهَ البَوَادِي وَالفَلَوَاتِ، وَهِيَ مِيَاهٌ مُتَغَيِّرَةٌ حَتْمًا بِأَوْرَاقِ السَّلَمِ وَالسِّدْرِ وَمَا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ، وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِتَرْكِهَا وَالتَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِهَا.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ السُّكُوتَ النَّبَوِيَّ ×  عَنِ النَّهْيِ عَنْ هَذِهِ المِيَاهِ مَعَ عِلْمِهِ بِتَغَيُّرِهَا غَالِبًا، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذَا التَّغَيُّرَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ لِلْحَاجَةِ.
ثَالِثًا: الضَّرُورَةُ تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا
المُرَادُ بِـ "الأَظْهَرِ" هُنَا أَنَّ قُوَّةَ حُجَّةِ القَائِلِ بِالجَوَازِ نَابِعَةٌ مِنْ فَهْمِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ فِي حِفْظِ العِبَادَاتِ؛ فَلَوْ حَكَمْنَا بِالسَّلْبِ فِي آبَارِ البَادِيَةِ لَأَدَّى ذَلِكَ إِلَى ضَيَاعِ مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ وَإِلْجَاءِ النَّاسِ إِلَى التَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِ المَاءِ، وَهُوَ خِلَافُ الأَصْلِ.
اسْتَعْمَلَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ لَفْظَ "الأَظْهَرُ" لِيُشِيرَ إِلَى تَرْجِيحِ ابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِ مِنْ كِبَارِ المُحَقِّقِينَ لِهَذَا القَوْلِ، رَغْمَ أَنَّ "المَشْهُورَ" السَّابِقَ كَانَ التَّعْمِيمُ فِي السَّلْبِ. وَقَدْ شَرَحْتَ أَنْتَ فِي مَفَاتِيحِكَ أَنَّ مَدَارَ الخِلَافِ هُنَا هُوَ: هَلْ يُعْتَبَرُ وَرَقُ الشَّجَرِ "أَجْنَبِيّاً" مُطْلَقاً أَمْ "مُلَازِماً" لِبَعْضِ المِيَاهِ؟ فَالظُّهُورُ كَانَ لِجَانِبِ المُلَازَمَةِ فِي البَادِيَةِ.

أثر التغيّر البيّن بحبل البئر وروث الماشية في أحكام الماء

 ويَضُرُّ بَيِّنُ تَغَيُّرٍ بِحَبْلِ سَانِيَةٍ  كَغَدِيرٍ بِرَوْثِ مَاشِيَةٍ

[1]  تُشيرُ هَذِهِ العِبَارَةُ عِنْدَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ إِلَى أَنَّ المَاءَ إِذَا ظَهَرَ فِيهِ "تَغَيُّرٌ بَيِّنٌ" (أَيْ ظَاهِرٌ وَاضِحٌ) فِي طَعْمِهِ أَوْ رِيحِهِ بِسَبَبِ "حَبْلِ السَّانِيَةِ" (وَهُوَ الحَبْلُ الَّذِي يُسْتَقَى بِهِ المَاءُ مِنَ البِئْرِ بِيَدِ الإِنْسَانِ أَوْ بِالدَّابَّةِ)، فَإِنَّ هَذَا التَّغَيُّرَ "يَضُرُّ" وَيَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ.
وَمَنْشَأُ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ المَالِكِيَّةِ يَعُودُ إِلَى مَا يَلِي:
أَوَّلًا: انْتِفَاءُ عِلَّةِ "عُسْرِ الِاحْتِرَازِ"
يَرَى الفُقَهَاءُ أَنَّ حَبْلَ السَّانِيَةِ لَيْسَ جُزْءاً مِنْ مَقَرِّ المَاءِ (الأَرْضِ) وَلَا مِنْ مَمَرِّهِ الطَّبِيعِيِّ، بَلْ هُوَ "آلَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ" أَدْخَلَهَا الإِنْسَانُ عَلَى المَاءِ.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: لَمَّا كَانَ الحَبْلُ مِمَّا يُمْكِنُ صَوْنُهُ أَوْ تَبْدِيلُهُ أَوْ تَنْظِيفُهُ حَتَّى لَا يُغَيِّرَ المَاءَ، فَإِنَّ التَّغَيُّرَ النَّاتِجَ عَنْهُ لَا يُلْحَقُ بِمَا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ المَاءُ، فَرَجَعَ إِلَى الأَصْلِ وَهُوَ أَنَّ التَّغَيُّرَ بِالطَّاهِرِ الأَجْنَبِيِّ يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ.
ثَانِيًا: الخُرُوجُ عَنِ الِاسْمِ (الإِطْلَاقِ)
إِذَا كَانَ التَّغَيُّرُ "بَيِّناً" كَمَا قَيَّدَهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ، فَقَدْ صَارَ المَاءُ مُقَيَّداً بِهَذِهِ الرَّائِحَةِ (رَائِحَةِ لِيفِ الحَبْلِ أَوْ كَتَّانِهِ)، وَالقَاعِدَةُ الشَّرْعِيَّةُ المَبْنِيَّةُ عَلَى الآيَةِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ تَقْتَضِي أَنَّ المَاءَ إِذَا خَرَجَ عَنْ إِطْلَاقِ اسْمِهِ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ بِمَادَّةٍ طَاهِرَةٍ، سَقَطَتْ قُدْرَتُهُ عَلَى التَّطْهِيرِ.
ثَالِثًا: القِيَاسُ عَلَى سَائِرِ المُطْعَمَاتِ
قِيسَ حَبْلُ السَّانِيَةِ عَلَى مَا يُوضَعُ فِي المَاءِ لِإِصْلَاحِهِ أَوْ تَطْيِيبِهِ (مِثْلَ المُصْطَكَى لِغَيْرِ المُسَافِرِ)؛ فَمَا دَامَ الحَبْلُ يُورِثُ المَاءَ طَعْماً أَوْ رِيحاً بَيِّناً بِحَيْثُ يُفَارِقُهُ غَالِباً، فَإِنَّ العِبْرَةَ بِحَالِ المَاءِ الَّذِي انْتَقَلَ مِنْ صِفَةِ "الطَّهُورِ" إِلَى "الطَّاهِرِ".
قَيَّدَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ الحُكْمَ بِـ "بَيِّنٍ" لِيُخْرِجَ التَّغَيُّرَ الخَفِيفَ الَّذِي لَا يَكَادُ يُدْرَكُ، فَإِنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ. كَمَا أَنَّ هَذَا الحُكْمَ يَتَأَكَّدُ إِذَا كَانَ الحَبْلُ نَجِساً (مِثْلَ أَنْ يَكُونَ مَصْنُوعاً مِنْ شَعْرِ خِنْزِيرٍ أَوْ جِلْدِ مَيْتَةٍ غَيْرِ مَدْبُوغٍ)، فَهَنَا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ قَوْلاً وَاحِداً لِأَنَّ المَاءَ يَصِيرُ نَجِساً، وَقَدْ جَرَى عَمَلُ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ مِيَاهِ الآبَارِ بِالحِبَالِ الطَّاهِرَةِ الَّتِي لَا تُغَيِّرُ المَاءَ تَغَيُّراً بَيِّناً.

[2]  تُشيرُ هَذِهِ العِبَارَةُ عِنْدَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ إِلَى أَنَّ المَاءَ إِذَا تَغَيَّرَ بِنَجَاسَةٍ نَاتِجَةٍ عَنْ "رَوْثِ المَاشِيَةِ" (كالإِبِلِ وَالغَنَمِ وَالبَقَرِ) الَّتِي تَرِدُ المَاءَ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ نَجِساً إِذَا كَانَ هَذَا التَّغَيُّرُ بَيِّناً، لِأَنَّ هَذَا الرَّوْثَ "يُفَارِقُ المَاءَ غَالِباً" وَلَيْسَ مِنْ أَصْلِ مَقَرِّهِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ يَسْتَنِدُ إِلَى الأُصُولِ التَّالِيَةِ:
أَوَّلًا: الإِجْمَاعُ عَلَى التَّغَيُّرِ بِالنَّجَاسَةِ
أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ المَاءَ إِذَا تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ الثَّلَاثَةِ (طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ) بِنَجَاسَةٍ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ نَجِساً.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: لَمَّا غَلَبَتِ النَّجَاسَةُ عَلَى المَاءِ حَتَّى غَيَّرَتْ صِفَتَهُ، صَارَ الحُكْمُ لِلْغَالِبِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ×  أَنَّهُ بَيَّنَ طَهُورِيَّةَ المَاءِ مَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ أَثَرُ النَّجَاسَةِ، كَمَا فِي مَفْهُومِ حَدِيثِ بِئْرِ بُضَاعَةَ.
ثَانِيًا: انْتِفَاءُ عِلَّةِ "مَا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ"
قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ رَوْثَ المَاشِيَةِ فِي الغُدْرَانِ مِمَّا يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، لَكِنَّ المَذْهَبَ المَالِكِيَّ (وَهُوَ مَا اعْتَمَدَهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ هُنَا) يَرَى أَنَّ الرَّوْثَ أَجْنَبِيٌّ عَنِ المَاءِ وَلَيْسَ مِنْ أَصْلِ خِلْقَتِهِ كَالتُّرَابِ وَالمِلْحِ.
التَّعْلِيلُ: المَاءُ الَّذِي تَغَيَّرَ بِالرَّوْثِ صَارَ مَاءً "مُتَنَجِّساً" لِأَنَّ الفَصْلَ بَيْنَ الرَّوْثِ وَالمَاءِ مُمْكِنٌ عَقْلًا وَعَادَةً، بِخِلَافِ مَا نَشَأَ فِي المَاءِ كَالطُّحْلُبِ، فَلَمَّا انْتَفَتِ الضَّرُورَةُ عَمِلَتِ القَاعِدَةُ الأَصْلِيَّةُ فِي السَّلْبِ وَالنَّجَاسَةِ.
ثَالِثًا: القِيَاسُ عَلَى سَائِرِ النَّجَاسَاتِ
لَا فَرْقَ عِنْدَ جُمْهُورِ المَالِكِيَّةِ بَيْنَ نَجَاسَةٍ وَأُخْرَى إِذَا غَيَّرَتِ المَاءَ؛ فَكَمَا أَنَّ وُقُوعَ البَوْلِ المُغَيِّرِ يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ، فَكَذَلِكَ الرَّوْثُ، لِأَنَّ كِلَاهُمَا نَجِسٌ (عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى نَجَاسَةَ رَوْثِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، أَوْ بِاعْتِبَارِ اخْتِلَاطِهِ بِمَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ كَمَا هُوَ الغَالِبُ فِي المَوَاشِي الَّتِي تَرِدُ الغُدْرَانَ).
نَبَّهَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِهَذَا المِثَالِ عَلَى دِقَّةِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ "مَا يُعْفَى عَنْهُ لِلْمَشَقَّةِ" (كَأَثَرِ الطِّينِ) وَبَيْنَ "مَا لَا يُعْفَى عَنْهُ" (كَالرَّوْثِ)، لِأَنَّ الرَّوْثَ يُفَارِقُ المَاءَ غَالِباً. وَمَعَ ذَلِكَ، ذَكَرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّهُ إِذَا عَمَّتْ بِهِ البَلْوَى جِدّاً فِي البَوَادِي بِحَيْثُ لَا يُوجَدُ غَيْرُهُ، فَقَدْ يَدْخُلُ فِي بَابِ الضَّرُورَاتِ، لَكِنَّ الأَصْلَ فِي المَذْهَبِ هُوَ مَا ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ مِنَ السَّلْبِ.

👁️ الـمشاهدون: جاري الحساب...
🎓 عدد حضور الأعضاء لجميع الدروس: ...
0