جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.
..
..
..
..
..
~
..
..
..
..
..
انضم لطلبة العلم

حكم المخالط الموافق للماء كماء الورد

 وفِي جَعْلِ الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ كَالْمُخَالِفِ نَظَرٌ وفِي التَّطْهِيرِ بِمَاءٍ جُعِلَ فِي الْفَمِ قَوْلانِ
   تُشيرُ هَذِهِ العِبَارَةُ عِنْدَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ إِلَى مَسْأَلَةٍ افْتِرَاضِيَّةٍ، وَهِيَ إِذَا سَقَطَ فِي المَاءِ شَيْءٌ "مُخَالِطٌ" لَكِنَّ صِفَاتِهِ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ تُوَافِقُ صِفَاتِ المَاءِ تَمَاماً كَمَاءِ الوَرْدِ الَّذِي فَقَدَ رِيحَهُ، أَوْ مَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ، بِحَيْثُ لَوْ وُضِعَ فِي المَاءِ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ أَثَرٌ مَحْسُوسٌ.
فَقَوْلُهُ "فِي جَعْلِهِ كَالْمُخَالِفِ نَظَرٌ" يَعْنِي أَنَّ هُنَاكَ تَرَدُّداً فِي المَذْهَبِ: هَلْ نُقَدِّرُ أَنَّ هَذَا الطَّاهِرَ لَوْ كَانَ مُخَالِفاً لَغَيَّرَ المَاءَ فَيُسْلَبُ الطَّهُورِيَّةَ، أَمْ نَعْتَمِدُ عَلَى مَا هُوَ مَوْجُودٌ فِعْلِيّاً فَلَا يُسْلَبُ؟
وَالدَّلِيلُ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ يَدُورُ بَيْنَ اتِّجَاهَيْنِ:
أَوَّلاً: وَجْهُ قَوْلِ مَنْ يَرَى "السَّلْبَ" التَّقْدِيرُ
القِيَاسُ عَلَى المُخَالِفِ: يَرَى أَصْحَابُ هَذَا القَوْلِ أَنَّ العِبْرَةَ بِـ "حَقِيقَةِ المُخَالَطَةِ" لَا بِظُهُورِ الأَثَرِ فَقَطْ. فَكَمَا أَنَّ الزَّعْفَرَانَ يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ، فَكَذَلِكَ مَاءُ الوَرْدِ وَإِنْ فَقَدَ رِيحَهُ هُوَ أَجْنَبِيٌّ، وَلَوْ كَانَ لَهُ رِيحٌ لَغَيَّرَ المَاءَ، فَالغَلَبَةُ هُنَا "تَقْدِيرِيَّةٌ".
الدَّلِيلُ: أَنَّ المَاءَ لَمْ يَعُدْ "مَاءً مُطْلَقاً" فِي حَقِيقَةِ الأَمْرِ، بَلْ هُوَ مَاءٌ مَزِيجٌ، وَالشَّارِعُ أَمَرَ بِالتَّطَهُّرِ بِالمَاءِ الخَالِصِ.
ثَانِيًا: وَجْهُ قَوْلِ مَنْ يَرَى "عَدَمَ السَّلْبِ" البَقَاءُ عَلَى الأَصْلِ
اسْتِصْحَابُ الأَصْلِ: المَاءُ كَانَ طَهُوراً بِيَقِينٍ، وَهَذَا المُخَالِطُ لَمْ يُغَيِّرْ صِفَاتِهِ تَمَاماً، فَاليَقِينُ لَا يَزُولُ إِلَّا بِتَغَيُّرٍ مُحَقَّقٍ.
الدَّلِيلُ: قَوْلُ النَّبِيِّ × : «إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» وَقِيسَ عَلَيْهِ الطَّاهِرُ، فَمَادَامَ لَمْ يَحْدُثْ تَغَيُّرٌ مَحْسُوسٌ لِلْحَوَاسِّ البَشَرِيَّةِ فِي اللَّوْنِ أَوِ الطَّعْمِ أَوِ الرِّيحِ، بَقِيَ المَاءُ عَلَى صِفَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ الطَّهُورِيَّةُ.
ثَالِثًا: مَعْنَى "النَّظَرِ" عِنْدَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ
كَلِمَةُ "نَظَرٌ" فِي اصْطِلَاحِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ الدَّلِيلَ لَمْ يَنْحَسِمْ لِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، أَوْ أَنَّ النَّقْلَ عَنِ الأَئِمَّةِ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ فِيهِ إِشْكَالٌ.
وَجْهُ النَّظَرِ: هُوَ التَّعَارُضُ بَيْنَ "الرَّعْيِ لِلْمَادَّةِ" أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ فَتَسْلُبُ وَبَيْنَ "الرَّعْيِ لِلصِّفَةِ" أَنَّ المَاءَ لَمْ يَتَغَيَّرْ حِسًّا فَلَا يَسْلُبُ.
هَذِهِ المَسْأَلَةُ تُسَمَّى "التَّقْدِيرُ فِي المَائِعَاتِ المُوافِقَةِ"، وَالمُعْتَمَدُ عِنْدَ مُتَأَخِّرِي المَالِكِيَّةِ أَنَّهُ إِذَا خَالَطَ المَاءَ مُوَافِقٌ طَاهِرٌ كَمَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ لَمْ يَسْلُبْهُ الطَّهُورِيَّةَ، أَمَّا إِذَا كَانَ المُوَافِقُ نَجِساً كَبَوْلٍ انْقَطَعَتْ رَائِحَتُهُ فَالِاحْتِيَاطُ هُوَ السَّلْبُ إِذَا كَانَ بِمِقْدَارٍ لَوْ خَالَفَ لَغَيَّرَ.
   تُشيرُ هَذِهِ العِبَارَةُ عِنْدَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ إِلَى الخِلَافِ فِي المَاءِ الَّذِي جَعَلَهُ الشَّخْصُ فِي فَمِهِ مَجَّهُ ثُمَّ صَبَّهُ فِي إِنَاءٍ: هَلْ يَبْقَى طَهُوراً يَصِحُّ التَّطَهُّرُ بِهِ، أَمْ يَصِيرُ طَاهِراً غَيْرَ مُطَهِّرٍ؟
وَمَنْشَأُ "القَوْلَيْنِ" يَعُودُ إِلَى تَعَارُضِ الأَدِلَّةِ وَالنَّظَرِ فِي هَذَا المَاءِ:
القَوْلُ الأَوَّلُ: الجَوَازُ بَقَاءُ الطَّهُورِيَّةِ
الدَّلِيلُ: الِاسْتِصْحَابُ؛ فَالْمَاءُ دَخَلَ الفَمَ طَهُوراً، وَالأَصْلُ بَقَاؤُهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى تَغَيُّرِهِ.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ فَمَ الإِنْسَانِ الطَّاهِرِ لَيْسَ بِنَجِسٍ، وَمُجَرَّدُ مُلَامَسَةِ المَاءِ لَهُ لَا تَسْلُبُهُ صِفَةَ الإِطْلَاقِ، كَمَا لَا تَسْلُبُهُ رُطُوبَةُ اليَدِ عِنْدَ غَسْلِهَا.
السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ: ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ×  «مَجَّ مَجَّةً فِي دَلْوٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ يُنَجِّسُ المَاءَ أَوْ يَسْلُبُهُ طَهُورِيَّتَهُ لَمَا فَعَلَهُ × ، إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِإِتْلَافِ المَاءِ.
القَوْلُ الثَّانِي: عَدَمُ الجَوَازِ السَّلْبُ
الدَّلِيلُ: التَّغَيُّرُ بِالمُخَالِطِ الأَجْنَبِيِّ الرِّيقِ؛ فَالرِّيقُ مَادَّةٌ طَاهِرَةٌ لَكِنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ عَنِ المَاءِ، وَالفَمُ لَا يَخْلُو غَالِباً مِنَ الرِّيقِ وَبَقَايَا تَعَفُّنِ الأَسْنَانِ الخُلُوفِ.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ المَاءَ إِذَا دَخَلَ الفَمَ وَمَكَثَ فِيهِ ثُمَّ خَرَجَ، فَالغَالِبُ أَنَّهُ خَالَطَهُ الرِّيقُ وَغَيَّرَ صِفَاتِهِ وَإِنْ كَانَ التَّغَيُّرُ خَفِيّاً، فَصَارَ كَمَا لَوْ خَالَطَهُ طَاهِرٌ أَجْنَبِيٌّ سَلَبَهُ اسْمَ "المَاءِ المُطْلَقِ".
سَبَبُ الخِلَافِ النُّكْتَةُ الفِقْهِيَّةُ:
يَعُودُ "القَوْلَانِ" إِلَى التَّرَدُّدِ فِي رِيقِ الإِنْسَانِ:
هَلْ هُوَ مِمَّا يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ فِي الوُضُوءِ وَالسِّوَاكِ؟ فَيَكُونُ المَاءُ طَهُوراً.
أَمْ هُوَ أَجْنَبِيٌّ خَالَطَ المَاءَ وَمَكْثُهُ فِيهِ مَقْصُودٌ؟ فَيُسْلَبُ الطَّهُورِيَّةُ إِذَا فُرِضَ التَّغَيُّرُ.
مَحَلُّ الخِلَافِ فِي المَذْهَبِ إِذَا لَمْ يَتَغَيَّرِ المَاءُ تَغَيُّراً بَيِّناً، أَمَّا إِذَا خَرَجَ المَاءُ مِنَ الفَمِ مُتَغَيِّراً لَوْناً أَوْ رِيحاً بِحَيْثُ يُدْرَكُ بِالحِسِّ، فَإِنَّهُ يُسْلَبُ الطَّهُورِيَّةَ قَوْلاً وَاحِداً لِقَاعِدَةِ: "التَّغَيُّرُ بِالطَّاهِرِ الأَجْنَبِيِّ يَسْلُبُ".
التفصيل :
إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ جَعْلِ الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ كَالْمُخَالِفِ وَالتَّطْهِيرِ بِمَاءٍ جُعِلَ فِي الْفَمِ.
وَهِيَ تَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ تَقْدِيرِ الْغَلَبَةِ فِي الْمَائِعَاتِ الْمُوَافِقَةِ لِلْمَاءِ فِي صِفَاتِهِ، وَحُكْمِ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْمَمْجُوجِ مِنَ الْفَمِ.

أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ لِلْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ: (وَفِي جَعْلِ الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ كَالْمُخَالِفِ نَظَرٌ وفِي التَّطْهِيرِ بِمَاءٍ جُعِلَ فِي الْفَمِ قَوْلانِ).

 الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: جَعْلُ الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ كَالْمُخَالِفِ
تُصَوَّرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِمَا إِذَا سَقَطَ فِي الْمَاءِ شَيْءٌ طَاهِرٌ مُخَالِطٌ، لَكِنَّ صِفَاتِهِ (اللَّوْنَ وَالطَّعْمَ وَالرَّائِحَةَ) تُوَافِقُ صِفَاتِ الْمَاءِ تَمَاماً، كَمَاءِ الْوَرْدِ الْمُنْقَطِعِ الرَّائِحَةِ، أَوْ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي رَفْعِ حَدَثٍ؛ فَإِذَا صُبَّ فِي الْمَاءِ الْمُطْلَقِ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ أَثَرٌ مَحْسُوسٌ لِمُوَافَقَتِهِ لَهُ. فَقَوْلُهُ: «وَفِي جَعْلِ الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ كَالْمُخَالِفِ نَظَرٌ» يَعْنِي أَنَّ هُنَاكَ تَرَدُّداً فِي الْمَذْهَبِ بَيْنَ أَنْ نُقَدِّرَ أَنَّ هَذَا الطَّاهِرَ الْمُوَافِقَ لَوْ كَانَ مُخَالِفاً لِلْمَاءِ فِي صِفَاتِهِ لَغَيَّرَهُ فَيُسْلَبَ الطَّهُورِيَّةَ، أَمْ نَعْتَمِدَ عَلَى الْأَصْلِ الْمَوْجُودِ حِسّاً فَلَا يُسْلَبَ.

 إِقَامَةُ الدَّلِيلِ:
 الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ (السُّنَّةُ الشَّرِيفَةُ):
قَوْلُ النَّبِيِّ × : «إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» رواه أحمد والترمذي وصححه.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ الْحُكْمَ بِالطَّهُورِيَّةِ لِلْمَاءِ ثَابِتٌ بِيَقِينٍ، وَالشَّارِعُ أَنَاطَ الْأَحْكَامَ بِالْأُمُورِ الْمَحْسُوسَةِ الْمَوْجُودَةِ لَا بِالْأُمُورِ التَّقْدِيرِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ؛ وَمَادَامَ الْمَاءُ لَمْ يَحْدُثْ فِيهِ تَغَيُّرٌ يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ الْبَشَرِيَّةِ فِي صِفَاتِهِ الثَّلَاثِ، فَهُوَ بَاقٍ عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ طَهُوراً.
 الدَّلِيلُ الثَّانِي (الْقَاعِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ):
قَاعِدَةُ: «الْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ».
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ طَهُورِيَّةَ الْمَاءِ مُتَيَقَّنَةٌ، وَزَوَالَهَا بِهَذَا الْمُخَالِطِ الطَّاهِرِ الْمُسَاوِي لِلْمَاءِ فِي صِفَاتِهِ مَشْكُوكٌ فِيهِ لِعَدَمِ ظُهُورِ التَّغَيُّرِ، فَلَا يَزُولُ الْيَقِينُ الشَّرْعِيُّ بِالْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ الِافْتِرَاضِيِّ، فَيُسْتَصْحَبُ أَصْلُ الطَّهُورِيَّةِ.
 الدَّلِيلُ الثَّالِثُ (قِيَاسُ الْعِلَّةِ):
قِيَاسُ الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ عَلَى الْمُخَالِفِ الْأَجْنَبِيِّ عِلَّةً وَحُكْماً.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ عِلَّةَ سَلْبِ الطَّهُورِيَّةِ فِي الْمُخَالِفِ (كَالزَّعْفَرَانِ وَالصَّابُونِ) هِيَ «حَقِيقَةُ الْمُخَالَطَةِ» الَّتِي تُخْرِجُ الْمَاءَ عَنْ إِطْلَاقِهِ، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي الْمُوَافِقِ (كَمَاءِ الْوَرْدِ الْمُنْقَطِعِ الرَّائِحَةِ)؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ عَنِ الْمَاءِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مَقَرِّهِ وَلَا مَمَرِّهِ، فَلَوْ فُرِضَ مُخَالِفاً لَظَهَرَ أَثَرُهُ تَقْدِيراً، فَالْغَلَبَةُ التَّقْدِيرِيَّةُ تَقُومُ مَقَامَ الْحِسِّيَّةِ فِي إِزَالَةِ صِفَةِ الْإِطْلَاقِ.
 الدَّلِيلُ الرَّابِعُ (قِيَاسُ الطَّرْدِ):
قِيَاسُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى تَقْدِيرِ الْغَلَبَةِ فِي النَّجَاسَاتِ.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّهُمْ قَالُوا فِي الْمُوَافِقِ النَّجِسِ (كَالْبَوْلِ الْمُنْقَطِعِ الرَّائِحَةِ) إِذَا سَقَطَ فِي الْمَاءِ: إِنَّهُ يُقَدَّرُ مُخَالِفاً لِلِاحْتِيَاطِ فِي أَمْرِ النَّجَاسَةِ، فَيُطْرَدُ هَذَا التَّقْدِيرُ فِي الْمُوَافِقِ الطَّاهِرِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَجْنَبِيٌّ خَالَطَ الْمَاءَ بِمِقْدَارٍ لَوْ كَانَ مُخَالِفاً لَغَيَّرَهُ.

 الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: التَّطْهِيرُ بِمَاءٍ جُعِلَ فِي الْفَمِ

تُصَوَّرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيمَا إِذَا جَعَلَ الْمُتَوَضِّئُ مَاءً فِي فَمِهِ ثُمَّ مَجَّهُ (أَيْ صَبَّهُ) فِي إِنَاءٍ دُونَ أَنْ يَظْهَرَ فِيهِ تَغَيُّرٌ بَيِّنٌ؛ فَهَلْ يَبْقَى طَهُوراً يَصِحُّ التَّطَهُّرُ بِهِ، أَمْ يَصِيرُ طَاهِراً غَيْرَ مُطَهِّرٍ؟ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ قَوْلَانِ جَارِيَانِ.

 إِقَامَةُ الدَّلِيلِ:

 الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ (السُّنَّةُ الشَّرِيفَةُ  لِقَوْلِ الْجَوَازِ):
مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ × أَنَّهُ: «مَجَّ مَجَّةً فِي دَلْوٍ».
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ فِعْلَهُ × صَرِيحٌ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْمَمْجُوجِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ الْمَجُّ فِي الْفَمِ يَسْلُبُ الْمَاءَ طَهُورِيَّتَهُ لَمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ × لِأَنَّ الشَّرْعَ يَنْهَى عَنْ إِفْسَادِ الْمِيَاهِ وَإِتْلَافِهَا، فَدَلَّ عَلَى بَقَاءِ طَهُورِيَّتِهِ.
 الدَّلِيلُ الثَّانِي (الْقَاعِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ  لِقَوْلِ الْجَوَازِ):
قَاعِدَةُ: «مَا عَسُرَ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ».
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ رِيقَ الْإِنْسَانِ مِمَّا يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فِي مَقَامِ الْوُضُوءِ وَالسِّوَاكِ وَالْمَضْمَضَةِ، فَمُلَامَسَةُ الْمَاءِ لِفَمِ الْمُتَطَهِّرِ لَا تَسْلُبُهُ صِفَةَ الطَّهُورِيَّةِ لِلْمَشَقَّةِ، فَيَجْرِي فِيهِ الْعَفْوُ تَيْسِيراً عَلَى الْمُكَلَّفِينَ.
 الدَّلِيلُ الثَّالِثُ (قِيَاسُ الْعِلَّةِ  لِقَوْلِ السَّلْبِ):
قِيَاسُ الْمَاءِ الْمَمْجُوجِ عَلَى الْمَاءِ الْمُخَالِطِ لِلْأَجْنَبِيِّ الطَّاهِرِ.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ عِلَّةَ السَّلْبِ هِيَ «الْمُخَالَطَةُ لِلْأَجْنَبِيِّ الطَّاهِرِ الَّذِي يَسْلُبُ صِفَةَ الْإِطْلَاقِ»، وَالرِّيقُ مَادَّةٌ طَاهِرَةٌ لَكِنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ عَنِ الْمَاءِ، وَالْفَمُ لَا يَخْلُو غَالِباً مِنَ الرِّيقِ وَالْخُلُوفِ؛ فَمَكْثُ الْمَاءِ فِي الْفَمِ يُؤَدِّي حَتْماً إِلَى مَزْجِهِ بِالرِّيقِ تَقْدِيراً، فَيَصِيرُ الْمَاءُ مُقَيَّداً بِإِضَافَتِهِ إِلَى الرِّيقِ فَيُسْلَبُ الطَّهُورِيَّةَ.
 الدَّلِيلُ الرَّابِعُ (قِيَاسُ الطَّرْدِ  لِقَوْلِ السَّلْبِ):
قِيَاسُ مَاءِ الْفَمِ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي خَالَطَهُ طَاهِرٌ أَجْنَبِيٌّ خَارِجِيٌّ كَالْعَصِيرِ وَالْحَلِيبِ.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّهُ كَمَا يُسْلَبُ الْمَاءُ طَهُورِيَّتَهُ إِذَا خَالَطَهُ الْعَصِيرُ، فَكَذَلِكَ إِذَا خَالَطَهُ الرِّيقُ فِي الْفَمِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا خَلَطٌ أَجْنَبِيٌّ طَاهِرٌ، وَتَعَلُّقُ النَّفْسِ بِهِ فِي الْفَمِ مَقْصُودٌ، فَيَقْتَضِي ذَلِكَ السَّلْبَ.
تَقْرِيرُ النُّكَتِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْفَوَائِدِ الْفِقْهِيَّةِ الْمُسْتَخْرَجَةِ مِنْ مَدَارِكِ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ:

 أَوَّلًا: النُّكَتُ الْفِقْهِيَّةُ فِي مَسْأَلَةِ الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ
 النُّكْتَةُ الْأُولَى (رَعْيُ الْمَادَّةِ ضِدَّ رَعْيِ الصِّفَةِ):
مَنْشَأُ «النَّظَرِ» الَّذِي أَوْرَدَهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ يَئُولُ إِلَى التَّنَازُعِ بَيْنَ أَصْلَيْنِ؛ هَلِ الْعِبْرَةُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِـ «الْأَعْيَانِ وَالْحَقَائِقِ» أَمْ بِـ «الْآثَارِ وَالصِّفَاتِ»؟ فَمَنْ رَعَى «الْمَادَّةَ» قَالَ: هَذَا مَاءٌ مَزِيجٌ بِأَجْنَبِيٍّ فِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ فَيُسْلَبُ، وَمَنْ رَعَى «الصِّفَةَ» قَالَ: الْأَحْكَامُ تَدُورُ مَعَ الْعِلَلِ الْمَحْسُوسَةِ، وَمَادَامَ التَّغَيُّرُ مَفْقُوداً فَالصِّفَةُ الشَّرْعِيَّةُ (الْإِطْلَاقُ) بَاقِيَةٌ.
 النُّكْتَةُ الثَّانِيَةُ (الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُوَافِقِ الطَّاهِرِ وَالْمُوَافِقِ النَّجِسِ):
فَرَّقَ مُتَأَخِّرُو الْمَالِكِيَّةِ فِي الْمُعْتَمَدِ بَيْنَ الْمُوَافِقِ الطَّاهِرِ (كَمَاءِ الْوَرْدِ الْمُنْقَطِعِ) فَلَمْ يَسْلُبُوا الْمَاءَ طَهُورِيَّتَهُ، بَيْنَمَا أَوْجَبُوا السَّلْبَ وَالِاحْتِيَاطَ فِي الْمُوَافِقِ النَّجِسِ (كَالْبَوْلِ الْمُنْقَطِعِ الرَّائِحَةِ)؛ لِأَنَّ بَابَ الطَّهَارَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّيْسِيرِ فَلَا نَنْقُلُ الْمَاءَ عَنْ أَصْلِهِ بِالْفَرْضِ، بَيْنَمَا بَابُ النَّجَاسَاتِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْجَزْمِ وَالِاحْتِيَاطِ لِخُطُورَةِ مَلَافَحَتِهَا لِلْعِبَادَةِ.
 ثَانِيًا: النُّكَتُ الْفِقْهِيَّةُ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ الْمَمْجُوجِ مِنَ الْفَمِ
 النُّكْتَةُ الْأُولَى (طَبِيعَةُ الرِّيقِ بَيْنَ الِاتِّصَالِ وَالِانْفِصَالِ):
يَعُودُ الْخِلَافُ فِي السَّلْبِ وَعَدَمِهِ إِلَى النَّظَرِ فِي رِيقِ الْإِنْسَانِ؛ فَمَنْ رَآهُ جُزْءاً مُتَّصِلاً بِالْفَمِ يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فِي مَقَامِ الْمَضْمَضَةِ أَلْحَقَهُ بِمَا يَخْرُجُ مِنْ مَقَرِّ الْمَاءِ وَمَمَرِّهِ فَلَمْ يَحْكُمْ بِالسَّلْبِ، وَمَنْ رَآهُ مَادَّةً مُنْفَصِلَةً مُسْتَقِلَّةً عَنِ الْمَاءِ عِظَمَ مُكْثُ الْمَاءِ مَعَهَا لَحِقَهُ بِالْأَجْنَبِيِّ الْمُجَاوِرِ الَّذِي يُوجِبُ التَّقْيِيدَ فَقَالَ بِالسَّلْبِ.
 النُّكْتَةُ الثَّانِيَةُ (مَحَلُّ التَّرَدُّدِ وَالْإِجْمَاعِ):
مَحَلُّ «الْقَوْلَيْنِ» عِنْدَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ هُوَ إِذَا خَرَجَ الْمَاءُ مِنَ الْفَمِ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ تَبَعاً لِلْحِسِّ، أَمَّا إِذَا خَرَجَ الْمَاءُ وَقَدْ تَغَيَّرَ صَرِيحاً فِي لَوْنِهِ أَوْ طَعْمِهِ أَوْ رِيحِهِ بِسَبَبِ بَقَايَا طَعَامٍ أَوْ تَعَفُّنٍ يُدْرَكُ بِالْعَيْنِ، فَإِنَّهُ يُسْلَبُ الطَّهُورِيَّةَ قَوْلاً وَاحِداً وَبِلَا خِلَافٍ، جَرْياً عَلَى قَاعِدَةِ: «التَّغَيُّرُ بِالطَّاهِرِ الْأَجْنَبِيِّ الْمَحْسُوسِ يَسْلُبُ».

👁️ الـمشاهدون: جاري الحساب...
🎓 عدد حضور الأعضاء لجميع الدروس: ...
0