أَوْ بِئْرٍ بِوَرَقِ شَجَرٍ أَوْ تِبْنٍ. الأَظْهَرُ فِي بِئْرِ الْبَادِيَةِ بِهِمَا الْجَوَاز
تُشيرُ هَذِهِ العِبَارَةُ عِنْدَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ إِلَى أَنَّ المَاءَ إِذَا تَغَيَّرَ بِـ "وَرَقِ الشَّجَرِ" أَوِ "التِّبْنِ" الَّذِي سَقَطَ فِيهِ، فَإِنَّ هَذَا التَّغَيُّرَ "يَضُرُّ" وَيَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ عَنِ المَاءِ، لِأَنَّ هَذِهِ المَوَادَّ تُعَدُّ "مِمَّا يُفَارِقُ المَاءَ غَالِباً". وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ يَسْتَنِدُ إِلَى مَا يَلِي:
أَوَّلاً: انْتِفَاءُ عِلَّةِ "الْمُلَازَمَةِ" وَ "الضَّرُورَةِ"
يَرَى الفُقَهَاءُ أَنَّ وَرَقَ الشَّجَرِ وَالتِّبْنَ لَيْسَا مِنْ مَقَرِّ المَاءِ (كالتُّرَابِ وَالمِلْحِ) وَلَا مِمَّا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ (كالطُّحْلُبِ)، بَلْ هِيَ أَجْسَامٌ أَجْنَبِيَّةٌ عَنِ المَاءِ انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ مِنْ مَكَانٍ آخَرَ.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: لَمَّا كَانَ يُمْكِنُ صَوْنُ البِئْرِ بِتَغْطِيَتِهَا أَوْ تَنْظِيفِهَا، فَإِنَّ التَّغَيُّرَ النَّاتِجَ عَنْ هَذِهِ الأَشْيَاءِ يَلْحَقُ بِجِنْسِ "الطَّاهِرِ الأَجْنَبِيِّ" الَّذِي يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ إِذَا غَيَّرَ أَحَدَ الأَوْصَافِ بَيَانًا، لِانْتِفَاءِ الضَّرُورَةِ المُلْجِئَةِ لِلْعَفْوِ.
ثَانِيًا: الخُرُوجُ عَنِ اسْمِ "الْمَاءِ الْمُطْلَقِ"
إِذَا تَغَيَّرَ مَاءُ البِئْرِ بِوَرَقِ الشَّجَرِ حَتَّى صَارَ لَهُ طَعْمٌ أَوْ لَوْنٌ ظَاهِرٌ، فَقَدْ صَارَ يُسَمَّى "مَاءَ شَجَرٍ" أَوْ "نُقَاعَةَ وَرَقٍ"، وَهُوَ خُرُوجٌ عَنْ "الإِطْلَاقِ" الَّذِي اشْتَرَطَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ × كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالمَاءِ الَّذِي بَقِيَ عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ، وَالمَاءُ الَّذِي غَلَبَتْ عَلَيْهِ أَجْزَاءُ الشَّجَرِ لَمْ يَعُدْ مَاءً خَالِصاً.
ثَالِثًا: القِيَاسُ عَلَى مَا طُبِخَ فِيهِ طَاهِرٌ
قِيسَ سُقُوطُ الوَرَقِ وَالتِّبْنِ فِي المَاءِ عَلَى "طَبْخِ" الطَّاهِرَاتِ فِيهِ؛ فَكَمَا أَنَّ طَبْخَ البُقُولِ أَوِ الأَعْشَابِ فِي المَاءِ يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ إِذَا غَيَّرَهُ، فَكَذَلِكَ "نَقْعُهَا" فِيهِ (وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ فِعْلِ آدَمِيٍّ) يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ مَا دَامَ التَّغَيُّرُ نَاتِجاً عَنْ مَادَّةٍ تَنْفَكُّ عَنِ المَاءِ غَالِباً.
نَبَّهَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ هُنَا إِلَى أَنَّ الحُكْمَ بِالسَّلْبِ يَكُونُ إِذَا كَانَ الوَرَقُ نَاتِجاً عَنْ شَجَرٍ "بَعِيدٍ" عَنِ البِئْرِ أَوْ نُقِلَ إِلَيْهَا قَصْداً. أَمَّا إِذَا كَانَ الشَّجَرُ مُطِلًّا عَلَى البِئْرِ وَيَسْقُطُ وَرَقُهُ فِيهَا بِاسْتِمْرَارٍ بِحَيْثُ يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، فَقَدْ صَحَّحَ بَعْضُ المَالِكِيَّةِ (مِثْلَ اللَّخْمِيِّ) أَنَّهُ لَا يَضُرُّ لِلضَّرُورَةِ، لَكِنَّ المَشْهُورَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ المُصَنِّفُ هُوَ السَّلْبُ لِقُوَّةِ "الأَجْنَبِيَّةِ" فِيهِ.
تُشيرُ هَذِهِ العِبَارَةُ عِنْدَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ إِلَى اسْتِثْنَاءٍ لِقَاعِدَةِ السَّلْبِ السَّابِقَةِ، حَيْثُ نَقَلَ "الظُّهُورَ" (أَيِ القَوْلَ الأَظْهَرَ لِقُوَّةِ دَلِيلِهِ) بِأَنَّ مَاءَ البِئْرِ فِي البَادِيَةِ إِذَا تَغَيَّرَ بِوَرَقِ الشَّجَرِ أَوِ التِّبْنِ، فَإِنَّهُ يَبْقَى طَهُوراً وَيَجُوزُ التَّطَهُّرُ بِهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا "الأَظْهَرِ" يَعْتَمِدُ عَلَى مَا يَلِي:
أَوَّلاً: قَاعِدَةُ "عُمُومِ البَلْوَى" وَ "عُسْرِ الِاحْتِرَازِ"
آبَارُ البَادِيَةِ غَالِبًا مَا تَكُونُ فِي مَكْشُوفَةً وَتُحِيطُ بِهَا الأَشْجَارُ، وَتَهُبُّ عَلَيْهَا الرِّيَاحُ بِالتِّبْنِ وَالوَرَقِ، فَيَشُقُّ جِدًّا عَلَى أَهْلِ البَادِيَةِ صَوْنُ هَذِهِ الآبَارِ عَنْ ذَلِكَ.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ "المَشَقَّةَ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ"، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالتَّيْسِيرِ فِي العِبَادَةِ فَقَالَ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. فَلَمَّا تَعَذَّرَ الِاحْتِرَازُ عَنْ هَذِهِ المُغَيِّرَاتِ فِي تِلْكَ البِيئَةِ، أُلْحِقَتْ بِـ "مَا فِي مَقَرِّ المَاءِ" مِمَّا لَا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ.
ثَانِيًا: تَقْرِيرُ النَّبِيِّ × لِأَهْلِ البَوَادِي
كَانَ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ × يَرْتَادُونَ مِيَاهَ البَوَادِي وَالفَلَوَاتِ، وَهِيَ مِيَاهٌ مُتَغَيِّرَةٌ حَتْمًا بِأَوْرَاقِ السَّلَمِ وَالسِّدْرِ وَمَا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ، وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِتَرْكِهَا وَالتَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِهَا.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ السُّكُوتَ النَّبَوِيَّ × عَنِ النَّهْيِ عَنْ هَذِهِ المِيَاهِ مَعَ عِلْمِهِ بِتَغَيُّرِهَا غَالِبًا، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذَا التَّغَيُّرَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ لِلْحَاجَةِ.
ثَالِثًا: الضَّرُورَةُ تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا
المُرَادُ بِـ "الأَظْهَرِ" هُنَا أَنَّ قُوَّةَ حُجَّةِ القَائِلِ بِالجَوَازِ نَابِعَةٌ مِنْ فَهْمِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ فِي حِفْظِ العِبَادَاتِ؛ فَلَوْ حَكَمْنَا بِالسَّلْبِ فِي آبَارِ البَادِيَةِ لَأَدَّى ذَلِكَ إِلَى ضَيَاعِ مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ وَإِلْجَاءِ النَّاسِ إِلَى التَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِ المَاءِ، وَهُوَ خِلَافُ الأَصْلِ.
اسْتَعْمَلَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ لَفْظَ "الأَظْهَرُ" لِيُشِيرَ إِلَى تَرْجِيحِ ابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِ مِنْ كِبَارِ المُحَقِّقِينَ لِهَذَا القَوْلِ، رَغْمَ أَنَّ "المَشْهُورَ" السَّابِقَ كَانَ التَّعْمِيمُ فِي السَّلْبِ. وَقَدْ شَرَحْتَ أَنْتَ فِي مَفَاتِيحِكَ أَنَّ مَدَارَ الخِلَافِ هُنَا هُوَ: هَلْ يُعْتَبَرُ وَرَقُ الشَّجَرِ "أَجْنَبِيّاً" مُطْلَقاً أَمْ "مُلَازِماً" لِبَعْضِ المِيَاهِ؟ فَالظُّهُورُ كَانَ لِجَانِبِ المُلَازَمَةِ فِي البَادِيَةِ.