ويَضُرُّ بَيِّنُ تَغَيُّرٍ بِحَبْلِ سَانِيَةٍ كَغَدِيرٍ بِرَوْثِ مَاشِيَةٍ
[1] تُشيرُ هَذِهِ العِبَارَةُ عِنْدَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ إِلَى أَنَّ المَاءَ إِذَا ظَهَرَ فِيهِ "تَغَيُّرٌ بَيِّنٌ" (أَيْ ظَاهِرٌ وَاضِحٌ) فِي طَعْمِهِ أَوْ رِيحِهِ بِسَبَبِ "حَبْلِ السَّانِيَةِ" (وَهُوَ الحَبْلُ الَّذِي يُسْتَقَى بِهِ المَاءُ مِنَ البِئْرِ بِيَدِ الإِنْسَانِ أَوْ بِالدَّابَّةِ)، فَإِنَّ هَذَا التَّغَيُّرَ "يَضُرُّ" وَيَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ.
وَمَنْشَأُ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ المَالِكِيَّةِ يَعُودُ إِلَى مَا يَلِي:
أَوَّلًا: انْتِفَاءُ عِلَّةِ "عُسْرِ الِاحْتِرَازِ"
يَرَى الفُقَهَاءُ أَنَّ حَبْلَ السَّانِيَةِ لَيْسَ جُزْءاً مِنْ مَقَرِّ المَاءِ (الأَرْضِ) وَلَا مِنْ مَمَرِّهِ الطَّبِيعِيِّ، بَلْ هُوَ "آلَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ" أَدْخَلَهَا الإِنْسَانُ عَلَى المَاءِ.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: لَمَّا كَانَ الحَبْلُ مِمَّا يُمْكِنُ صَوْنُهُ أَوْ تَبْدِيلُهُ أَوْ تَنْظِيفُهُ حَتَّى لَا يُغَيِّرَ المَاءَ، فَإِنَّ التَّغَيُّرَ النَّاتِجَ عَنْهُ لَا يُلْحَقُ بِمَا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ المَاءُ، فَرَجَعَ إِلَى الأَصْلِ وَهُوَ أَنَّ التَّغَيُّرَ بِالطَّاهِرِ الأَجْنَبِيِّ يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ.
ثَانِيًا: الخُرُوجُ عَنِ الِاسْمِ (الإِطْلَاقِ)
إِذَا كَانَ التَّغَيُّرُ "بَيِّناً" كَمَا قَيَّدَهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ، فَقَدْ صَارَ المَاءُ مُقَيَّداً بِهَذِهِ الرَّائِحَةِ (رَائِحَةِ لِيفِ الحَبْلِ أَوْ كَتَّانِهِ)، وَالقَاعِدَةُ الشَّرْعِيَّةُ المَبْنِيَّةُ عَلَى الآيَةِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ تَقْتَضِي أَنَّ المَاءَ إِذَا خَرَجَ عَنْ إِطْلَاقِ اسْمِهِ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ بِمَادَّةٍ طَاهِرَةٍ، سَقَطَتْ قُدْرَتُهُ عَلَى التَّطْهِيرِ.
ثَالِثًا: القِيَاسُ عَلَى سَائِرِ المُطْعَمَاتِ
قِيسَ حَبْلُ السَّانِيَةِ عَلَى مَا يُوضَعُ فِي المَاءِ لِإِصْلَاحِهِ أَوْ تَطْيِيبِهِ (مِثْلَ المُصْطَكَى لِغَيْرِ المُسَافِرِ)؛ فَمَا دَامَ الحَبْلُ يُورِثُ المَاءَ طَعْماً أَوْ رِيحاً بَيِّناً بِحَيْثُ يُفَارِقُهُ غَالِباً، فَإِنَّ العِبْرَةَ بِحَالِ المَاءِ الَّذِي انْتَقَلَ مِنْ صِفَةِ "الطَّهُورِ" إِلَى "الطَّاهِرِ".
قَيَّدَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ الحُكْمَ بِـ "بَيِّنٍ" لِيُخْرِجَ التَّغَيُّرَ الخَفِيفَ الَّذِي لَا يَكَادُ يُدْرَكُ، فَإِنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ. كَمَا أَنَّ هَذَا الحُكْمَ يَتَأَكَّدُ إِذَا كَانَ الحَبْلُ نَجِساً (مِثْلَ أَنْ يَكُونَ مَصْنُوعاً مِنْ شَعْرِ خِنْزِيرٍ أَوْ جِلْدِ مَيْتَةٍ غَيْرِ مَدْبُوغٍ)، فَهَنَا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ قَوْلاً وَاحِداً لِأَنَّ المَاءَ يَصِيرُ نَجِساً، وَقَدْ جَرَى عَمَلُ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ مِيَاهِ الآبَارِ بِالحِبَالِ الطَّاهِرَةِ الَّتِي لَا تُغَيِّرُ المَاءَ تَغَيُّراً بَيِّناً.
[2] تُشيرُ هَذِهِ العِبَارَةُ عِنْدَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ إِلَى أَنَّ المَاءَ إِذَا تَغَيَّرَ بِنَجَاسَةٍ نَاتِجَةٍ عَنْ "رَوْثِ المَاشِيَةِ" (كالإِبِلِ وَالغَنَمِ وَالبَقَرِ) الَّتِي تَرِدُ المَاءَ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ نَجِساً إِذَا كَانَ هَذَا التَّغَيُّرُ بَيِّناً، لِأَنَّ هَذَا الرَّوْثَ "يُفَارِقُ المَاءَ غَالِباً" وَلَيْسَ مِنْ أَصْلِ مَقَرِّهِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ يَسْتَنِدُ إِلَى الأُصُولِ التَّالِيَةِ:
أَوَّلًا: الإِجْمَاعُ عَلَى التَّغَيُّرِ بِالنَّجَاسَةِ
أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ المَاءَ إِذَا تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ الثَّلَاثَةِ (طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ) بِنَجَاسَةٍ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ نَجِساً.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: لَمَّا غَلَبَتِ النَّجَاسَةُ عَلَى المَاءِ حَتَّى غَيَّرَتْ صِفَتَهُ، صَارَ الحُكْمُ لِلْغَالِبِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ × أَنَّهُ بَيَّنَ طَهُورِيَّةَ المَاءِ مَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ أَثَرُ النَّجَاسَةِ، كَمَا فِي مَفْهُومِ حَدِيثِ بِئْرِ بُضَاعَةَ.
ثَانِيًا: انْتِفَاءُ عِلَّةِ "مَا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ"
قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ رَوْثَ المَاشِيَةِ فِي الغُدْرَانِ مِمَّا يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، لَكِنَّ المَذْهَبَ المَالِكِيَّ (وَهُوَ مَا اعْتَمَدَهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ هُنَا) يَرَى أَنَّ الرَّوْثَ أَجْنَبِيٌّ عَنِ المَاءِ وَلَيْسَ مِنْ أَصْلِ خِلْقَتِهِ كَالتُّرَابِ وَالمِلْحِ.
التَّعْلِيلُ: المَاءُ الَّذِي تَغَيَّرَ بِالرَّوْثِ صَارَ مَاءً "مُتَنَجِّساً" لِأَنَّ الفَصْلَ بَيْنَ الرَّوْثِ وَالمَاءِ مُمْكِنٌ عَقْلًا وَعَادَةً، بِخِلَافِ مَا نَشَأَ فِي المَاءِ كَالطُّحْلُبِ، فَلَمَّا انْتَفَتِ الضَّرُورَةُ عَمِلَتِ القَاعِدَةُ الأَصْلِيَّةُ فِي السَّلْبِ وَالنَّجَاسَةِ.
ثَالِثًا: القِيَاسُ عَلَى سَائِرِ النَّجَاسَاتِ
لَا فَرْقَ عِنْدَ جُمْهُورِ المَالِكِيَّةِ بَيْنَ نَجَاسَةٍ وَأُخْرَى إِذَا غَيَّرَتِ المَاءَ؛ فَكَمَا أَنَّ وُقُوعَ البَوْلِ المُغَيِّرِ يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ، فَكَذَلِكَ الرَّوْثُ، لِأَنَّ كِلَاهُمَا نَجِسٌ (عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى نَجَاسَةَ رَوْثِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، أَوْ بِاعْتِبَارِ اخْتِلَاطِهِ بِمَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ كَمَا هُوَ الغَالِبُ فِي المَوَاشِي الَّتِي تَرِدُ الغُدْرَانَ).
نَبَّهَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِهَذَا المِثَالِ عَلَى دِقَّةِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ "مَا يُعْفَى عَنْهُ لِلْمَشَقَّةِ" (كَأَثَرِ الطِّينِ) وَبَيْنَ "مَا لَا يُعْفَى عَنْهُ" (كَالرَّوْثِ)، لِأَنَّ الرَّوْثَ يُفَارِقُ المَاءَ غَالِباً. وَمَعَ ذَلِكَ، ذَكَرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّهُ إِذَا عَمَّتْ بِهِ البَلْوَى جِدّاً فِي البَوَادِي بِحَيْثُ لَا يُوجَدُ غَيْرُهُ، فَقَدْ يَدْخُلُ فِي بَابِ الضَّرُورَاتِ، لَكِنَّ الأَصْلَ فِي المَذْهَبِ هُوَ مَا ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ مِنَ السَّلْبِ.