الْمَسْأَلَةُ: حُكْمُ المَاءِ المُتَغَيِّرِ بِمُتَوَلِّدٍ مِنْهُ
وَتَتَعَلَّقُ هذِهِ الْمَسْأَلَةُ : بِبَقَاءِ الطَّهَارَةِ وَالطَّهُورِيَّةِ لِلْمَاءِ إِذَا تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ الثَّلَاثَةِ (اللَّوْنِ، أَوِ الطَّعْمِ، أَوِ الرَّائِحَةِ) بِسَبَبِ عَيْنٍ نَشَأَتْ وَتَوَلَّدَتْ مِنَ المَاءِ نَفْسِهِ، وَهَذَا هُوَ الحُكْمُ الثَّالِثُ مِمَّا لَا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ بَعْدَ قَرارِ المَسْأَلَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ (التَّغَيُّرِ بِالمُجَاوِرِ، وَالتَّغَيُّرِ بِقَطِرَانِ وِعَاءِ المُسَافِرِ).
أَشَارَ إِلَيْهَا الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: (أَوْ بِمُتَوَلِّدٍ مِنْهُ)
وَمَعْنَاهَا: أَنَّ المَاءَ المُطْلَقَ إِذَا تَغَيَّرَتْ صِفَاتُهُ بِشَيْءٍ نَاشِئٍ مِنْ نَفْسِ المَاءِ وَمَائِيَّتِهِ بِسَبَبِ طُولِ مُكْثِهِ، فَإِنَّهُ يَبْقَى عَلَى إِطْلَاقِهِ وَطَهُورِيَّتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ التَّغَيُّرُ فِي اللَّوْنِ أَوِ الطَّعْمِ أَوِ الرَّائِحَةِ أَوْ فِي جَمِيعِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ التَّغَيُّرُ بَيِّنًا أَوْ غَيْرَ بَيِّنٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ أَجْنَبِيًّا عَنِ المَاءِ.
وَمِثَالُهَا: التَّغَيُّرُ بِالطُّحْلُبِ (وَهُوَ الخُضْرَةُ الَّتِي تَعْلُو المَاءَ رَاكِدًا)، أَوِ الخَزِّ (وَهُوَ النَّبَاتُ الأَخْضَرُ المُمْتَدُّ فِي جَوَانِبِ جُدْرَانِ المَاءِ)، أَوِ الزَّغْلَانِ وَدُودِ المَاءِ، أَوِ الضَّرِيعِ (نَبَاتِ المَاءِ الآجِنِ)، وَكَذَا التَّغَيُّرُ بِالسَّمَكِ الحَيِّ المَوْجُودِ فِيهِ.
الأَمْثِلَةُ المُعَاصِرَةُ القِيَاسِيَّةُ عَلَى مَسْأَلَةِ التَّغَيُّرِ بِالمُتَوَلِّدِ مِنَ المَاءِ
تَتَجَدَّدُ صُوَرُ المَادَّةِ المَائِيَّةِ فِي العَصْرِ الحَدِيثِ بِتَبَدُّلِ وَسَائِلِ الحِفْظِ وَالتَّخْزِينِ، وَيُمْكِنُ تَقْرِيبُ مَسْأَلَةِ (التَّغَيُّرِ بِالمُتَوَلِّدِ مِنْهُ) إِلَى الذِّهْنِ عَبْرَ النَّوَازِلِ العَصْرِيَّةِ التَّالِيَةِ الَّتِي تَتَحَقَّقُ فِيهَا عِلَّةُ "عَدَمِ الأَجْنَبِيَّةِ" وَ"عُسْرِ الِاحْتِرَازِ":
1. التَّغَيُّرُ بِتَجَمُّعَاتِ البَكْتِيرْيَا وَالفِطْرِيَّاتِ الخَضْرَاءِ فِي فَلَاتِرِ (مُرَشِّحَاتِ) المِيَاهِ:
تَوْصِيفُ النَّازِلَةِ: عِنْدَ تَرْكِ فَلَاتِرِ المِيَاهِ المَنْزِلِيَّةِ لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ دُونَ تَغْيِيرٍ، تَنْشَأُ عَلَى الشَّمْعَاتِ الدَّاخِلِيَّةِ طَبَقَةٌ لَزِجَةٌ خَضْرَاءُ أَوَّ بَيْضَاءُ نَتِيجَةَ رُكُودِ المَاءِ وَمُرُورِهِ الدَّائِمِ، فَتُغَيِّرُ طَعْمَ المَاءِ أَوْ رِيْحَهُ.
وَجْهُ القِيَاسِ: تُقَاسُ هَذِهِ الطَّبَقَةُ الفِطْرِيَّةُ الحَدِيثَةُ عَلَى "الطُّحْلُبِ وَالخَزِّ" تَمَامًا؛ لِأَنَّهَا كَائِنَاتٌ مَائِيَّةٌ نَشَأَتْ وَتَوَلَّدَتْ مِنَ المَاءِ نَفْسِهِ بِسَبَبِ الرُّكُودِ دَاخِلَ جِلْبَابِ الفِلْتَرِ، وَلَمْ تُطْرَحْ فِيهِ مِنْ خَارِجٍ، فَيَبْقَى المَاءُ مَعَهَا طَهُورًا.
2. الرَّوَاسِبُ البَيْضَاءُ (التَّكَلُّسَاتُ المَائِيَّةُ) فِي سَخَّانَاتِ وَغَلَّايَاتِ المِيَاهِ:
تَوْصِيفُ النَّازِلَةِ: يَنْشَأُ فِي قَعْرِ الغَلَّايَاتِ الكَهْرَبَائِيَّةِ وَسَخَّانَاتِ المَنَازِلِ طَبَقَةٌ جِيرِيَّةٌ بَيْضَاءُ (تَكَلُّسٌ) نَاتِجَةٌ عَنْ غَلْيِ المَاءِ وَتَجَمُّعِ أَمْلَاحِهِ المَعْدِنِيَّةِ الذَّاتِيَّةِ، فَتَنْفَصِلُ هَذِهِ القُشُورُ وَتُغَيِّرُ لَوْنَ المَاءِ أَوْ طَعْمَهُ.
وَجْهُ القِيَاسِ: هَذِهِ التَّكَلُّسَاتُ لَيْسَتْ مَادَّةً أَجْنَبِيَّةً وُضِعَتْ فِي المَاءِ، بَلْ هِيَ مَادَّةٌ "مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ عَيْنِ المَاءِ" وَمِنْ مُكَوِّنَاتِهِ الطَّبِيعِيَّةِ الَّتِي أَظْهَرَهَا طُولُ الِاسْتِعْمَالِ وَالحَرَارَةُ، فَتَأْخُذُ حُكْمَ الطُّحْلُبِ وَالمُتَوَلِّدِ فِي عَدَمِ سَلْبِ الطَّهُورِيَّةِ.
3. رُكُودُ المِيَاهِ فِي لَيَّاتِ (خَرَاطِيمِ) الحَدَائِقِ البِلَاسْتِيكِيَّةِ:
تَوْصِيفُ النَّازِلَةِ: المَاءُ المَتْرُوكُ دَاخِلَ خَرَاطِيمِ السَّقْيِ البِلَاسْتِيكِيَّةِ تَحْتَ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ تَتَوَلَّدُ فِيهِ شُجَيْرَاتٌ وَدُودٌ مَائِيٌّ صَغِيرٌ جِدًّا، فَيَخْرُجُ المَاءُ مُتَغَيِّرَ الرِّيْحِ وَاللَّوْنِ.
وَجْهُ القِيَاسِ: يُقَاسُ هَذَا الدُّودُ الحَدِيثُ عَلَى "دُودِ المَاءِ وَالزَّغْلَانِ" الَّذِي ذَكَرَهُ عَلِيشٌ؛ لِأَنَّ بِلَاسْتِيكَ الخُرْطُومِ صَارَ مَقَرًّا لِلْمَاءِ كَجُدْرَانِ البِئْرِ، فَمَا نَشَأَ فِيهِ مِنَ الدُّودِ الحَيِّ هُوَ مُتَوَلِّدٌ مِنْهُ لَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ.
4. تَغَيُّرُ مِيَاهِ المَسَابِحِ بِتَكَوُّنِ الطَّحَالِبِ النَّاتِجَةِ عَنْ نَقْصِ مَادَّةِ الكُلُورِ:
تَوْصِيفُ النَّازِلَةِ: إِذَا أُهْمِلَ تَعْقِيمُ المَسْبَحِ لِأَيَّامٍ، يَتَحَوَّلُ لَوْنُ المَاءِ إِلَى الأَخْضَرِ القَاتِمِ وَتَظْهَرُ فِيهِ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ نَتِيجَةَ تَكَاثُرِ الطَّحَالِبِ.
وَجْهُ القِيَاسِ: هَذَا هُوَ عَيْنُ "الطُّحْلُبِ" المَذْكُورِ فِي المَتْنِ، وَالنَّازِلَةُ هُنَا تُؤَكِّدُ أَنَّ تَغَيُّرَ جَمِيعِ الأَوْصَافِ (اللَّوْنِ وَالطَّعْمِ وَالرِّيْحِ) بِهَذَا المُتَوَلِّدِ لَا يَضُرُّ، وَيَبْقَى المَاءُ طَهُورًا يَصِحُّ رَفْعُ الحَدَثِ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ غَيْرِهِ، مَا لَمْ يَخْتَلِطْ بِهِ مُغَيِّرٌ أَجْنَبِيٌّ خَارِجِيٌّ.
الأَدِلَّةُ مِنْ:
1. القُرْآنِ الكَرِيمِ: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا}
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ المَاءَ طَهُورًا، وَالمُتَوَلِّدُ مِنَ المَاءِ لَيْسَ شَيْئًا خَارِجًا عَنْهُ بَلْ هُوَ طَبِيعَةٌ لَاحِقَةٌ بِهِ لَا تَسْلُبُ عَنْهُ اسْمَ المَاءِ المُطْلَقِ عُرْفًا وَلَا لُغَةً، فَيَبْقَى دَاخِلًا تَحْتَ عُمُومِ الآيَةِ الشَّرِيفَةِ.
2. السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ × : (إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ)
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ النَّبِيَّ × قَرَّرَ أَصْلَ الطَّهُورِيَّةِ البَاقِيَةِ فِي المَاءِ، وَالمُتَوَلِّدُ مِنْهُ لَيْسَ جِسْمًا أَجْنَبِيًّا طَرَأَ عَلَيْهِ لِيُفْسِدَهُ، بَلْ هُوَ جُزْءٌ مِنْ تَارِيخِ المَاءِ فِي مَقَرِّهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ عَنْ مَاهِيَّتِهِ الأَصْلِيَّةِ.
3. قِيَاسِ العِلَّةِ: وَذَلِكَ بِقِيَاسِ التَّغَيُّرِ بِالمُتَوَلِّدِ (كَالطُّحْلُبِ) عَلَى التَّغَيُّرِ بِالآجِنِ (وَهُوَ المَاءُ المُتَغَيِّرُ بِطُولِ مُكْثِهِ) المُجْمَعِ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ، وَالعِلَّةُ الجَامِعَةُ بَيْنَهُمَا هِيَ "مُلَازَمَةُ التَّغَيُّرِ لِلْمَاءِ نَتِيجَةَ البَقَاءِ فِي المَقَرِّ"، فَإِذَا كَانَ الأَصْلُ مَعْفُوًّا عَنْهُ لِعِلَّتِهِ، فَالْفَرْعُ أَوْلَى بِالعَفْوِ لِأَنَّهُ ثَمَرَةُ العِلَّةِ.
4. قَاعِدَةِ مَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ: وَذَلِكَ أَنَّ الطُّحْلُبَ وَدُودَ المَاءِ مِمَّا يَعْسُرُ وَيَشُقُّ صَوْنُ الآبَارِ وَالغُدْرَانِ عَنْهُ، وَالقَاعِدَةُ تَقْضِي بِأَنَّ "المَشَقَّةَ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ"، فَسَقَطَ اعْتِبَارُ التَّغَيُّرِ بِهِ رَفْعًا لِلْحَرَجِ.
الفَوَائِدُ:
النُّكْتَةُ الأُصُولِيَّةُ: دَوَرَانُ الحُكْمِ مَعَ عِلَّتِهِ؛ حَيْثُ نَاطَ الفُقَهَاءُ العَفْوَ بِعِلَّةِ "عَدَمِ الأَجْنَبِيَّةِ" وَ"عُسْرِ الِاحْتِرَازِ"، فَلَمَّا كَانَ الطُّحْلُبُ غَيْرَ أَجْنَبِيٍّ عُفِيَ عَنْهُ وَلَوْ أُلْقِيَ فِيهِ بَعْدَ انْفِصَالِهِ عَلَى المَشْهُورِ، بَيْنَمَا إِذَا طُبِخَ فِيهِ زَالَتِ العِلَّةُ وَصَارَ كَالأَجْنَبِيِّ (الطَّعَامِ) فَسُلِبَتْ طَهُورِيَّتُهُ.
النُّكْتَةُ البَلَاغِيَّةُ: فِي تَعْبِيرِ المُصَنِّفِ "بِمُتَوَلِّدٍ مِنْهُ" إِيجَازُ حَذْفٍ بَلِيغٌ؛ حَيْثُ جَمَعَ تَحْتَ هَذِهِ الكَلِمَةِ جَمِيعَ الحَيَوَانَاتِ المَائِيَّةِ وَالنَّبَاتَاتِ الَّتِي تَظْهَرُ فِيهِ، مُعَلِّلًا الحُكْمَ بِالِاشْتِقَاقِ (مُتَوَلِّدٍ)، وَهُوَ مِنْ بَابِ الإِشَارَةِ البَلَاغِيَّةِ إِلَى أَنَّ الأُمُومَةَ المَائِيَّةَ تَمْنَعُ سَلْبَ الوَصْفِ الشَّرْعِيِّ.
النُّكْتَةُ النَّحْوِيَّةُ: قَوْلُهُ "بِمُتَوَلِّدٍ" اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الفِعْلِ الخُمَاسِيِّ (تَوَلَّدَ)، وَالبَاءُ حَرْفُ جَرٍّ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَالجَارُّ وَالمَجْرُورُ عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ السَّابِقِ (بِمُجَاوِرِهِ) فَيَكُونُ مَحَلُّهُ الرَّفْعَ عَلَى أَنَّهُ نَائِبُ فَاعِلٍ لِلْفِعْلِ (تَغَيَّرَ) المُقَدَّرِ عِنْدَ العَطْفِ.
تَحْلِيلُ المَسْأَلَةِ:
أَوَّلًا: التَّحْلِيلُ الفِقْهِيُّ: وَالنَّظَرُ الفِقْهِيُّ لِلْمَسْأَلَةِ: يَقُومُ النَّظَرُ الفِقْهِيُّ عَلَى بَيَانِ طَبِيعَةِ المُغَيِّرِ، فَالشَّيْءُ النَّاشِئُ مِنَ المَاءِ لَا يُعَدُّ طَارِئًا عَلَيْهِ سَالِبًا لِاسْمِهِ المَوْضُوعِ لَهُ عُرْفًا، وَالخِلَافُ يَسْرِي فِي النَّمَاءِ المَائِيِّ إِذَا فَارَقَ ثُمَّ عِيْدَ؛ فَالمَذْهَبُ لَا يَنْظُرُ إِلَى فِعْلِ المُكَلَّفِ هُنَا بِالقَصْدِ وَالإِلْقَاءِ بَلْ يَنْظُرُ إِلَى جِنْسِ المَادَّةِ، فَإِذَا كَانَتْ غَيْرَ أَجْنَبِيَّةٍ اسْتَمَرَّ العَفْوُ، مَا لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ صُنْعٌ كَبِيرٌ كَالطَّبْخِ.
وَمَنَاطَاتُ المَسْأَلَةِ: تَتَحَدَّدُ فِي ثَلَاثَةِ مَنَاطَاتٍ: المَنَاطُ الأَوَّلُ: كَوْنُ المَادَّةِ نَاشِئَةً مِنَ المَاءِ (الطُّحْلُبِ وَالخَزِّ) وَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ مُطْلَقًا. المَنَاطُ الثَّانِي: صُنْعُ الآدَمِيِّ بِالإِلْقَاءِ بَعْدَ الفَصْلِ، وَعَلَى مَشْهُورِ المَذْهَبِ لَا يَضُرُّ أَيْضًا. المَنَاطُ الثَّالِثُ: الطَّبْخُ؛ وَهُوَ مَنَاطٌ سَالِبٌ لِلطَّهُورِيَّةِ لِأَنَّهُ صَيَّرَهُ طَعَامًا مُقَيَّدًا.
ثَانِيًا: التَّحْلِيلُ بِالدَّلَالَاتِ وَالمَفَاهِيمِ
1. مَفْهُومُ المُخَالَفَةِ (مَفْهُومُ القَيْدِ): فِي قَوْلِهِ "بِمُتَوَلِّدٍ مِنْهُ" مَفْهُومٌ يَقْتَضِي أَنَّ المَاءَ إِذَا تَغَيَّرَ بِمَا (لَمْ يَتَوَلَّدْ مِنْهُ) كَأَوْرَاقِ الشَّجَرِ الأَجْنَبِيَّةِ إِذَا طُرِحَتْ فِيهِ قَصْدًا وَغَيَّرَتْهُ، فَإِنَّهُ يَضُرُّ وَيَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ تَمْكِنُ الحِمَايَةُ مِنْهُ.
2. دَلَالَةُ التَّنْبِيهِ: التَّنْبِيهُ بِعَفْوِ الدُّودِ وَالطُّحْلُبِ عَلَى عَفْوِ رَوْثِ السَّمَكِ وَخُرْئِهِ الحَيِّ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا عُفِيَ عَنِ الحَيَوَانِ النَّاشِئِ فِيهِ تَنْبِيهًا عَلَى المُخَالَطَةِ الدَّائِمَةِ، عُفِيَ عَنْ فَضَلَاتِهِ الَّتِي لَا تَنْفَكُّ عَنْهُ عُرْفًا لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ.
ثَالِثًا: التَّحْلِيلُ بِأَدَوَاتِ عِلْمِ المَنْطِقِ:
قَضِيَّةُ المَسْأَلَةِ: قَضِيَّةٌ حَمْلِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ مُوجَبَةٌ مِنْ حَيْثُ حُكْمِ المُتَوَلِّدِ ذَاتِهِ.
وَمَوْضُوعُهَا: (كُلُّ مَاءٍ تَغَيَّرَتْ أَوْصَافُهُ بِمُتَوَلِّدٍ مِنْهُ دُونَ طَبْخٍ).
وَمَحْمُولُهَا: (هُوَ مَاءٌ بَاقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ)، وَالنَّسَبَةُ إِثْبَاتُ (المَحْمُولِ لِلْمَوْضُوعِ) بِإِيجَابٍ كُلِّيٍّ لِانْتِفَاءِ الأَجْنَبِيَّةِ.
تَحْلِيلُ المَسْأَلَةِ مَنْطِقِيًّا :
أَوَّلًا : الْقِيَاسُ الِاقْتِرَانِيُّ الْحَمْلِيُّ - الشَّكْلُ الْأَوَّلُ
مُقَدِّمَةٌ كُبْرَى : كُلُّ مُغَيِّرٍ غَيْرِ أَجْنَبِيٍّ لَا يَسْلُبُ المَاءَ إِطْلَاقَهُ الشَّرْعِيَّ.
مُقَدِّمَةٌ صُغْرَى : المُتَوَلِّدُ مِنَ المَاءِ (كَالطُّحْلُبِ) هُوَ مُغَيِّرٌ غَيْرُ أَجْنَبِيٍّ.
نَتِيجَةٌ : المُتَوَلِّدُ مِنَ المَاءِ لَا يَسْلُبُ المَاءَ إِطْلَاقَهُ الشَّرْعِيَّ (أَيْ هَذَا الفِعْلُ لَا مَنْعَ فِيهِ).
الْقِيَاسُ الِاقْتِرَانِيُّ الشَّرْطِيُّ الْمُتَّصِلُ :
(إِذَا كَانَ التَّغَيُّرُ نَاشِئًا مِنَ المَاءِ نَفْسِهِ، فَهُوَ كَالتَّغَيُّرِ بِطُولِ المُكْثِ، وَإِذَا كَانَ كَالتَّغَيُّرِ بِطُولِ المُكْثِ، فَالْمَاءُ طَهُورٌ اتِّفَاقًا) وَذَلِكَ يَنْتِجُ لُزُومَ الطَّهُورِيَّةِ لِلْمُتَوَلِّدِ.
الْقِيَاسُ الِاقْتِرَانِيُّ الْمُنْفَصِلُ :
(إِمَّا أَنْ يَكُونَ المُغَيِّرُ أَجْنَبِيًّا عَنِ المَاءِ أَوْ يَكُونَ مُتَوَلِّدًا مِنْهُ) وَذَلِكَ لِتَقْسِيمِ المَادَّةِ عَقْلًا، فَإِذَا بَطَلَ عَنِ الطُّحْلُبِ أَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ، ثَبَتَ أَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْهُ فَلَا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ.
ثَانِيًا : الْقِيَاسُ الِاسْتِثْنَائِيُّ :
الِاسْتِثْنَائِيُّ الْمُتَّصِلُ :
(لَوْ كَانَ المَاءُ المُتَغَيِّرُ بِالطُّحْلُبِ مَطْبُوخًا، لَسُلِبَتْ طَهُورِيَّتُهُ، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمَطْبُوخٍ فِي مَسْأَلَتِنَا) وَذَلِكَ يُنْتِجُ أَنَّهُ لَا تُسْلَبُ طَهُورِيَّتُهُ.
الِاسْتِثْنَائِيُّ الْمُنْفَصِلُ :
(إِمَّا أَنْ يَكُونَ التَّغَيُّرُ بِالسَّمَكِ الحَيِّ مُؤَثِّرًا فِي سَلْبِ الطَّهُورِيَّةِ أَوْ مَعْفُوًّا عَنْهُ، لَكِنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ أَوْ مِمَّا لَا يَنْفَكُّ) وَذَلِكَ يُنْتِجُ بَطَلَانَ كَوْنِهِ مُؤَثِّرًا فِي السَّلْبِ.
ثَالِثًا : الْقِيَاسُ التَّمْثِيلِيُّ (الْفِقْهِيُّ: إِلْحَاقُ فَرْعٍ بِأَصْلٍ) :
(إِلْحَاقُ التَّغَيُّرِ بِدُودِ المَاءِ وَالزَّغْلَانِ (فَرْعٌ) بِـالتَّغَيُّرِ بِالطُّحْلُبِ وَالخَزِّ (أَصْلٌ)) وَذَلِكَ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا نَاشِئٌ وَمُتَوَلِّدٌ عَنِ المَاءِ نَفْسِهِ دُونَ تَدَخُّلٍ خَارِجِيٍّ يُفْسِدُ الذَّاتَ، فَكَمَا أَنَّ الأَصْلَ طَهُورٌ، فَكَذَلِكَ الفَرْعُ.
وَمِنَ المَقُولَاتِ العَشْرِ :
فَهِيَ مَقُولَةُ (الكَيْفِ) وَذَلِكَ بِالنَّظَرِ إِلَى كَيْفِيَّةِ الخُضْرَةِ أَوِ الرَّائِحَةِ الَّتِي لَحِقَتْ بِالمَاءِ، وَمَقُولَةُ (الِانْفِعَالِ) بِاعْتِبَارِ تَأَثُّرِ المَاءِ بِطُولِ المُكْثِ حَتَّى تَوَلَّدَ مِنْهُ هَذَا النَّبَاتُ.
وَمِنَ المُغَالَطَاتِ المَنْطِقِيَّةِ :
مُغَالَطَةُ (التَّعْمِيمِ المُتَسَرِّعِ) وَذَلِكَ حِينَمَا يَأْخُذُ الخَصْمُ قَاعِدَةَ "كُلُّ تَغَيُّرٍ فِي أَوْصَافِ المَاءِ يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ" فَيُعَمِّمُهَا عَلَى جَمِيعِ الحَالَاتِ بِشَكْلٍ مُتَسَرِّعٍ دُونَ اسْتِثْنَاءِ المُتَوَلِّدِ النَّاشِئِ مِنَ المَاءِ نَفْسِهِ، حَيْثُ يَقَعُ فِي هَذِهِ المُغَالَطَةِ مَنْ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ التَّغَيُّرِ بِأَجْنَبِيٍّ مَقْصُودٍ وَالتَّغَيُّرِ بِذَاتِيٍّ مَجْبُولٍ، فَيُقَالُ لَهُ إِنَّ هَذَا التَّعْمِيمَ بَاطِلٌ لِانْتِقَاضِهِ بِالمَاءِ الآجِنِ إِجْمَاعًا، فَالْمُتَوَلِّدُ جُزْءٌ مِنْهُ فَلَا يَصِحُّ سَحْبُ الحُكْمِ عَلَيْهِ.
وَثَمَرَةُ التَّحْلِيلِ المَنْطِقِيِّ لِلْمَسْأَلَةِ: حَصْرُ النَّظَرِ فِي المَاهِيَّاتِ (أَيْ مَا هُوَ دَاخِلٌ فِي ذَاتِ المَاءِ وَمَا هُوَ خَارِجٌ عَنْهُ) لِأَجْلِ بِنَاءِ الأَحْكَامِ عَلَى عِلَلٍ حَقِيقِيَّةٍ لَا صُوَرِيَّةٍ.
بَيَانُ الخِلَافِ فِي الـمَذْهَبِ :
1. المُعْتَمَدُ : أَنَّ التَّغَيُّرَ بِمُتَوَلِّدِ المَاءِ كَالطُّحْلُبِ لَا يَضُرُّ مُطْلَقًا، وَلَوْ نُزِعَ مِنْهُ وَأُلْقِيَ فِيهِ ثَانِيًا أَوْ فِي مَاءٍ غَيْرِهِ، مَا لَمْ يُطْبَخْ فِيهِ، (وَهُوَ مَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي تَقْرِيرِهِ). وَأَمَّا السَّمَكُ المَيِّتُ فَالمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَضُرُّ لِأَنَّهُ مُفَارِقٌ غَالِبًا. وَفِي خُرْءِ السَّمَكِ الحَيِّ اعْتَمَدَ بَعْضُ التَّلَامِذَةِ الضَّرَرَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَوَلِّدٍ، وَرَجَعَ عِجْ إِلَى ذَلِكَ آخِرًا.
2. القَوْلُ المُقَابِلُ : مَا حَكَاهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ عَنْ مَالِكٍ بِكَرَاهَةِ المَاءِ المُتَغَيِّرِ بِالطُّحْلُبِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ رِعَايَةً لِلْخِلَافِ. وَفِي خُرْءِ السَّمَكِ الحَيِّ القَوْلُ الثَّانِي لِعِجْ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ غَالِبًا فَيَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَارْتَضَاهُ بَعْضُهُمْ قَبْلَ الرُّجُوعِ.
التَّرْجِيحُ حَسَبَ قَوَاعِدِ المَذْهَبِ : حَسَبَ الدَّلِيلِ الأُصُولِيِّ فَإِنَّ القَوْلَ بِإِطْلَاقِ العَفْوِ عَنِ الطُّحْلُبِ وَلَوْ أُلْقِيَ قَصْدًا (مَا لَمْ يُطْبَخْ) هُوَ الجَارِي عَلَى قَاعِدَةِ نَفْيِ الحَرَجِ وَالضَّرُورَةِ، لِأَنَّهُ مَادَّةٌ مَائِيَّةٌ جِنْسًا. وَتَرْجِيحُ الضَّرَرِ فِي خُرْءِ السَّمَكِ المَبْنِيِّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مُتَوَلِّدًا هُوَ الأَحْوَطُ لِلطَّهَارَةِ وَهُوَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ اخْتِيَارُ المُتَأَخِّرِينَ عَلَى مَشْهُورِ التَّدْقِيقِ.