الْمَسْأَلَةُ: حُكْمُ المَاءِ المُتَغَيِّرِ بِمَقَرِّهِ أَوْ بِالمِلْحِ المَعْدِنِيِّ وَأَثَرُ طَرْحِ المَصْنُوعِ قَصْداً
وَمِثَالُهَا: أَنْ يَمُرَّ المَاءُ الجَارِي فِى نَهْرٍ أَوْ عَيْنٍ فَوْقَ طَبَقَاتٍ كِبْرِيتِيَّةٍ أَوْ مَعَادِنَ جَبَلِيَّةٍ فَيَتَغَيَّرَ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ بِسَبَبِ طَبِيعَةِ هَذَا المَقَرِّ الَّذِي اسْتَقَرَّ فِيهِ، فَيَبْقَى طَهُورًا مُطْلَقًا يَصِحُّ بِهِ رَفْعُ الحَدَثِ، ثُمَّ كَذَلِكَ تَذْكُرُ وَمِثَالُهَا: أَنْ يَعْمِدَ المُكَلَّفُ إِلَى مَاءٍ مُطْلَقٍ فَيُلْقِيَ فِيهِ طَائِفَةً مِنْ مِلْحٍ مَصْنُوعٍ طَعَامِيٍٍّ قَصْدًا فَيُغَيِّرَ طَعْمَهُ جَذْرِيًّا، فَيُسْلَبَ المَاءُ صِفَةَ الطَّهُورِيَّةِ عِنْدَئِذٍ لِانْفِكَاكِ عِلَّةِ المَقَرِّ الشَّرْعِيِّ عَنْهُ.
أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: «أَوْ بِقَرَارِهِ كَمِلْحٍ»
وَمَعْنَاهَا: أَنَّ المَاءَ إِذَا تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ الثَّلَاثَةِ بِمَا نَشَأَ فِى مَقَرِّهِ وَمَكَانِ اسْتِقْرَارِهِ، رَبْطًا بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ المَعْفُوَّاتِ الَّتِي لَا تَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ، فَإِنَّ هَذَا التَّغَيُّرَ لَا يَضُرُّ لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ، وَمَثَّلَ بِالمِلْحِ المَعْدِنِيِّ النَّاشِئِ فِي مَوْضِعِهِ لِتَنْبِيهِ المُكَلَّفِ عَلَى أَنَّ المِلْحَ المَصْنُوعَ المَطْرُوحَ فِعْلًا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ لِانْتِفَاءِ التَّوَلُّدِ المَكَانِيِّ.
الأَدِلَّةُ مِنْ:
1. القُرْآنِ الكَرِيمِ: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا}
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى المَاءَ النَّازِلَ طَهُورًا بِإِطْلَاقٍ، وَمِنَ المَعْلُومِ أَنَّ المِيَاهَ بَعْدَ نُزُولِهَا تَمُرُّ بِالقَرَارِ الأَرْضِيِّ وَتُخَالِطُ المَعَادِنَ وَالمِلْحَ الجَبَلِيَّ فَتَتَغَيَّرُ بِهِ طَبِيعَةً، فَلَوْ كَانَ هَذَا التَّغَيُّرُ المَقَرِّيُّ سَالِبًا لِلْطَّهُورِيَّةِ لَمَا بَقِيَ مَاءٌ فِى الأَرْضِ مُطْلَقًا، فَثَبَتَ العَفْوُ عَنِ القَرَارِ قُرْآنِيًّا.
2. السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ × قَالَ فِي البَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ»
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ النَّبِيَّ × نَصَّ عَلَى طَهُورِيَّةِ مَاءِ البَحْرِ رَغْمَ شِدَّةِ مُلُوحَتِهِ وَتَغَيُّرِ طَعْمِهِ، وَعِلَّةُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ المُلُوحَةَ نَاشِئَةٌ عَنْ مَقَرِّهِ وَقَرَارِهِ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّه عَلَيْهِ، فَكَانَ الحَدِيثُ أَصْلًا سُنِّيًّا فِى عَدَمِ سَلْبِ الطَّهُورِيَّةِ بِمَا فِى المَقَرِّ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ كَالمِلْحِ.
3. قِيَاسِ العِلَّةِ: وَذَلِكَ بِقِيَاسِ «التَّغَيُّرِ بِالمِلْحِ المَعْدِنِيِّ النَّاشِئِ فِي المَقَرِّ» عَلَى «التَّغَيُّرِ بِالتُّرَابِ وَالمَغْرَةِ المَوْجُودَةِ فِى المَجْرَى» فِي عَدَمِ سَلْبِ الطَّهُورِيَّةِ، وَالعِلَّةُ الجَامِعَةُ بَيْنَهُمَا هِيَ «عُسْرُ الِاحْتِرَازِ عَنْ أَجْزَاءِ الأَرْضِ الَّتِي يُلَازِمُهَا المَاءُ طَبِيعَةً»، فَكَمَا طُرِدَ العَفْوُ فِى التُّرَابِ طُرِدَ فِى المِلْحِ المَعْدِنِيِّ.
4. قَاعِدَةِ المَشَقَّةِ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ: لِأَنَّ إِيجَابَ صَوْنِ المِيَاهِ عَنِ التَّغَيُّرِ بِالتُرْبَةِ أَوْ المَعَادِنِ المُسْتَقِرَّةِ فِى قَعْرِهَا يُفْضِي إِلَى الحَرَجِ وَتَعْطِيلِ مَصَالِحِ العِبَادِ، فَعَفَا الشَّارِعُ عَنْ هَذَا التَّغَيُّرِ تَيْسِيرًا وَأَبْقَاهُ عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ.
الفَوَائِدُ:
النُّكْتَةُ الأُصُولِيَّةُ: تَنْقِيحُ مَنَاطِ «مَا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ المَاءُ غَالِبًا»؛ حَيْثُ جَعَلَ المَالِكِيَّةُ أُصُولِيًّا المَقَرَّ وَالمَجْرَى فِى رُتْبَةِ المُتَّصِلِ بِالمَاءِ حُكْمًا، فَلَا يَصِحُّ اعْتِبَارُ المِلْحِ المَعْدِنِيِّ أَجْنَبِيًّا عَنِ المَاءِ، بِخِلَافِ المِلْحِ المَصْنُوعِ الطَّعَامِيِّ الَّذِي يَنْفَكُّ عَنْهُ المَاءُ فَيُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الأَجْنَبِيِّ المَطْرُوحِ قَصْدًا سَدًّا لِلْذَّرِيعَةِ.
النُّكْتَة...ُ البَلَاغِيَّةُ: فِي تَمْثِيلِ المُصَنِّفِ بِالمِلْحِ دُوْنَ غَيْرِهِ مِنَ المَعَادِنِ بَلَاغَةُ تَنْبِيهٍ بِالأَعْلَى عَنِ الأَدْنَى؛ لِأَنَّ المِلْحَ يُحِيلُ الطَّعْمَ إِحَالَةً جَذْرِيَّةً وَيَظهَرُ فِيهِ أَثَرُ التَّغَيُّرِ جَلِيًّا، فَذِكْرُهُ يَسْتَلْزِمُ العَفْوَ عَمَّا دُونَهُ كَالتُّرَابِ لِأَنَّ عِلَّةَ التَّغَيُّرِ فِيهِ أَقْوَى ظُهُورًا.
تَحْلِيلُ المَسْأَلَةِ:
التَّحْلِيلُ الفِقْهِيُّ وَالنَّظَرُ الفِقْهِيُّ لِلْمَسْأَلَةِ: النَّظَرُ الفِقْهِيُّ يُفَرِّقُ بَيْنَ طَبِيعَةِ المُغَيِّرَاتِ المَكَانِيَّةِ؛ فَمَا كَانَ مُتَوَلِّدًا مِنَ المَاءِ أَوْ أَرْضِهِ كَالمِلْحِ المَعْدِنِيِّ وَالجِبْسِ المَوْجُودِ فِى المَنْبَعِ لَا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ اتِّفَاقًا. لَكِنْ لَوْ أُخِذَ هَذَا المِلْحُ المَعْدِنِيُّ نَفْسُهُ وَطُرِحَ فِى مَاءٍ آخَرَ قَصْدًا، فَالْمَذْهَبُ عَلَى سَلْبِ الطَّهُورِيَّةِ لِأَنَّهُ صَارَ مَطْرُوحًا مُنْفَكًّا عَنِ المَقَرِّ، وَالمِلْحُ المَصْنُوعُ طَعَامِيًّا يَسْلُبُ فِى جَمِيعِ الأَحْوَالِ لِأَنَّهُ غَيْرُ نَاشِئٍ مِنَ الطَّبِيعَةِ المَائِيَّةِ.
وَمَنَاطَاتُ المَسْأَلَةِ: تَقُومُ عَلَى ثَلَاثَةِ مَنَاطَاتٍ: المَنَاطُ الأَوَّلُ: مَنَاطُ التَّوَلُّدِ الذَّاتِيِّ فِي المَحَلِّ. المَنَاطُ الثَّانِي: مَنَاطُ الفَرْقِ بَيْنَ الفِعْلِ البَشَرِيِّ الطَّارِحِ وَبَيْنَ الفِعْلِ الجِبِلِّيِّ الطَّبِيعِيِّ. المَنَاطُ الثَّالِثُ: مَنَاطُ عُسْرِ الِاحْتِرَازِ المُوجِبِ لِلْعَفْوِ التَّشْرِيعِيِّ.
التَّحْلِيلُ بِالدَّلَالَاتِ وَالمَفَاهِيمِ:
1. مَفْهُومُ المُخَالَفَةِ مَفْهُومُ الوَصْفِ لِلْقَرَارِ: فِي قَوْلِهِ «بِقَرَارِهِ» مَفْهُومُ مُخَالَفَةٍ صِفَاتِيٌّ؛ يَقْتَضِي أَنَّ التَّغَيُّرَ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِقَرَارِ المَاءِ وَلَا بِمَجْرَاهُ بَلْ بِأَجْنَبِيٍِّ عَنْهُ خَارِجِيٍِّ، فَإِنَّهُ يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ حَتْمًا لِانْتِفَاءِ صِفَةِ المُلازَمَةِ المَكَانِيَّةِ.
2. دَلَالَةُ الِاقْتِضَاءِ: حَيْثُ يَقْتَضِي الحُكْمُ بِبَقَاءِ طَهُورِيَّةِ المَاءِ المُتَغَيِّرِ بِمِلْحِ مَقَرِّهِ صِحَّةَ عَقْدِ الصَّلَاةِ بِهِ ضِمْنًا دُوْنَ حَاجَةٍ لِإِعَادَةِ التَّطْهِيرِ، لِأَنَّ المَشْرُوعَ طَهُورٌ اقْتِضَاءً.
التَّحْلِيلُ بِأَدَوَاتِ عِلْمِ المَنْطِقِ:
قَضِيَّةُ المَسْأَلَةِ: قَضِيَّةٌ حَمْلِيَّةٌ مُوجَبَةٌ مَقْرُونَةٌ بِشَرْطِ النَّشْأَةِ المَكَانِيَّةِ.
وَمَوْضُوعُهَا: «المَاءُ المُطْلَقُ الَّذِي تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ بِمَادَّةِ مَقَرِّهِ الحِسِّيِّ».
وَمَحْمُولُهَا: «هُوَ مَاءٌ بَاقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ يُعْفَى عَنْ تَغَيُّرِهِ لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ»، وَالنَّسَبَةُ إِثْبَاتُ الوَصْفِ.
التَّحْلِيلُ مَنْطِقِيًّا:
الْقِيَاسُ الِاقْتِرَانِيُّ الْحَمْلِيُّ - الشَّكْلُ الْأَوَّلُ:
مُقَدِّمَةٌ كُبْرَى : كُلُّ مُغَيِّرٍ لِلْمَاءِ يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ طَبِيعَةً لَمْ يَسْلُبْهُ صِفَةَ الطَّهُورِيَّةِ شَرْعًا.
مُقَدِّمَةٌ صُغْرَى : المِلْحُ المَعْدِنِيُّ فِي مَقَرِّ المَاءِ هُوَ مُغَيِّرٌ يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ طَبِيعَةً.
نَتِيجَةٌ : المِلْحُ المَعْدِنِيُّ فِي مَقَرِّ المَاءِ لَمْ يَسْلُبْهُ صِفَةَ الطَّهُورِيَّةِ شَرْعًا وَهُوَ بَقَاءُ إِطْلَاقِهِ.
الْقِيَاسُ الِاقْتِرَانِيُّ الشَّرْطِيُّ الْمُتَّصِلُ:
«كُلَّمَا وَقَعَ التَّغَيُّرُ بِالمِلْحِ المَصْنُوعِ المَطْرُوحِ قَصْدًا، بَطَلَ عُذْرُ عُسْرِ الِاحْتِرَازِ، وَإِذَا بَطَلَ عُذْرُ عُسْرِ الِاحْتِرَازِ، سُلِبَتِ الطَّهُورِيَّةُ عَنِ المَاءِ المَشْرُوعِ» وَذَلِكَ لِتَحْقِيقِ الفَصْلِ مَنْطِقِيًّا.
الْقِيَاسُ الِاسْتِثْنَائِيُّ المُتَّصِلُ:
«لَوْ كَانَ المِلْحُ المَعْدِنِيُّ المَقَرِّيُّ سَالِبًا لِلْطَّهُورِيَّةِ كَالمِلْحِ الطَّعَامِيِّ المَصْنُوعِ، لَمَا حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ بِطَهُورِيَّةِ مَاءِ البَحْرِ الشَّدِيدِ المُلُوحَةِ، لَكِنَّهُ حَكَمَ بِطَهُورِيَّتِهِ نَصًّا فِى السُّنَّةِ» وَذَلِكَ يُنْتِجُ أَنَّ المِلْحَ المَقْرِّيَّ لَيْسَ سَالِبًا لِلتَّطْهِيرِ.
الْقِيَاسُ التَّمْثِيلِيُّ الْفِقْهِيُّ:
«إِلْحَاقُ التَّغَيُّرِ بِالمِلْحِ المَعْدِنِيِّ النَّاشِئِ فِي المَقَرِّ فَرْعٌ بِالتَّغَيُّرِ بِالتُّرَابِ المَوْجُودِ فِي القَعْرِ أَصْلٌ فِي عَفْوِ الشَّارِعِ عَنِ الأَثَرِ الطَّعْمِيِّ أَوِ اللَّوْنِيِّ» وَذَلِكَ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَادَّةٌ أَرْضِيَّةٌ يُلَازِمُهَا المَاءُ فِى مَكَانِهِ وَيَعْسُرُ فِصَالُهَا عَنْهُ، فَكَمَا أَنَّ الأَصْلَ لَا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ فَكَذَلِكَ الفَرْعُ تَبَعًا لِتَقْرِيرِ عَلِيشٍ.
مَقُولَةُ الكَيْفِ وَالأَيْنِ: تَظْهَرُ مَقُولَةُ «الكَيْفِ» فِى الوَصْفِ الطَّعْمِيِّ المَالِحِ الطَّارِئِ عَلَى المَاءِ، وَمَقُولَةُ «الأَيْنِ» فِي مَحَلِّ الِاسْتِقْرَارِ وَهُوَ المَقَرُّ الشَّرْطِيُّ.
مُغَالَطَةُ الإِحْرَاجِ الزَّائِفِ: حَيْثُ حَاوَلَ بَعْضُ النَّاظِرِينَ حَصْرَ حُكْمِ المِلْحِ بَيْنَ خِيَارَيْنِ ثُنَائِيَّيْنِ: إِمَّا جَوَازُ التَّطْهِيرِ بِكُلِّ مِلْحٍ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ مَعْدِنِيًّا أَوْ مَصْنُوعًا طَعَامِيًّا، أَوْ سَلْبُ الطَّهُورِيَّةِ عَنْ كُلِّ مَاءٍ دَخَلَهُ المِلْحُ وَلَوْ كَانَ مَاءَ بَحْرٍ، فَيَقَعُ الخَلَلُ، فَيَرُدُّ الشَّيْخُ خَلِيلٌ هَذَا الإِحْرَاجَ بِإِثْبَاتِ تَفْصِيلٍ تَقْسِيمِيٍِّ ثَالِثٍ وَهُوَ: أَنَّ المِلْحَ المَعْدِنِيَّ المَقْرِّيَّ لَا يَضُرُّ نَصًّا نَعَمْ، لَكِنَّ المِلْحَ المَصْنُوعَ المَطْرُوحَ يَضُرُّ قَطْعًا، فَبَطَلَ الحَصْرُ الزَّائِفُ لِانْفِكَاكِ جِهَةِ التَّوَلُّدِ عَنِ الطَّرْحِ البَشَرِيِّ.
### مُقَارَنَةُ الشُّرُوحِ بَيْنَ عَبْدِ البَاقِي الزَّرْقَانِيِّ وَأَحْمَدَ الدَّرْدِيرِ وَعَلِيشٍ وَمُحَمَّدٍ عَرَفَةَ الدَّسُوقِيِّ:
تَتَّفِقُ هَذِهِ الشُّرُوحُ كُلُّهَا عَلَى أَنَّ المِلْحَ المَعْدِنِيَّ النَّاشِئَ فِي المَقَرِّ لَا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ، وَلَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمْ خِلَافٌ فِقْهِيٌّ فِى أَبْوَابِ النَّوَازِلِ فِي هَذِهِ الجُمْلَةِ، حَيْثُ نَقَلَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الدَّرْدِيرُ وَعَلِيشٌ وَالدَّسُوقِيُّ اتِّفَاقَ الأَصْحَابِ عَلَى صِحَّةِ التَّطْهِيرِ بِهِ صِيَانَةً لِمَاءِ البِحَارِ، دُوْنَ أَيِّ مُخَالَفَةٍ رِوَائِيَّةٍ تَسْتَدْعِي الفَصْلَ التَّرْجِيحِيَّ فِى المَذْهَبِ.
بَيَانُ الْخِلَافِ فِي الْمَذْهَبِ:
1. المَعْتَمَدُ : هُوَ أَنَّ المَاءَ إِذَا تَغَيَّرَ بِمَقَرِّهِ كَالمِلْحِ المَعْدِنِيِّ الجَبَلِيِّ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ صِيَانَةً لِلْعِبَادَةِ، أَمَّا المِلْحُ المَصْنُوعُ الطَّعَامِيُّ المَطْرُوحُ فِعْلًا فَيَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ حَتْمًا. وَقَالَ بِهِ الإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَنَصَّتْ عَلَيْهِ أُمَّهَاتُ المَذْهَبِ، وَحَفِظَهُ خَلِيلٌ فِي مَتْنِهِ، وَمَشَى عَلَيْهِ الزَّرْقَانِيُّ وَالدَّرْدِيرُ وَعَلِيشٌ وَالدَّسُوقِيُّ.
2. الْقَوْلُ المُقَابِلُ : لَا يُوجَدُ قَوْلٌ مُقَابِلٌ مُعْتَمَدٌ يُخَالِفُ المَعْتَمَدَ فِي عَفْوِ المِلْحِ المَعْدِنِيِّ المَقْرِّيِّ لِقُوَّةِ نَصِّ البَحْرِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ نَظَرٌ ضَعِيفٌ لِبَعْضِ خَارِجِيِّ المَذْهَبِ يَسْوِي بَيْنَ المِلْحَيْنِ فِي السَّلْبِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ أُصُولِيًّا لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى إِبْطَالِ التَّطْهِيْرِ بِمَاءِ البَحْرِ المُنَزَّلِ سُنَّةً.
التَّرْجِيحُ حَسَبَ قُوَّةِ الأَدِلَّةِ الأُصُولِيَّةِ:
يَتَرَجَّحُ المَعْتَمَدُ المَاقِضُ بِأَصَالَةِ عَفْوِ التَّغَيُّرِ بِمِلْحِ المَقَرِّ المَعْدِنِيِّ دُوْنَ المَصْنُوعِ المَطْرُوحِ؛ لِأَنَّهُ المَبْنِيُّ عَلَى قَاعِدَةِ «العَفْوُ مَنُوطٌ بِعِلَّةِ عُسْرِ الِاحْتِرَازِ مَصْلَحَةً تَسْهِيلاً عَلَى المُكَلَّفِينَ»، حَيْثُ إِنَّ المَاءَ فِى طَبِيعَتِهِ الجِبِلِّيَّةِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ طِينِ الأَرْضِ وَمَعَادِنِهَا فِى المَقَرِّ الشَّرْطِيِّ فَلَوْ سَلَبْنَاهُ صِفَتَهُ لَعَطَّلْنَا رُخْصَةَ التَّطْهِيرِ البُقْعِيَّةِ، بِخِلَافِ المِلْحِ المَصْنُوعِ الطَّعَامِيِّ الَّذِي يُدْخِلُهُ المُكَلَّفُ بِفِعْلِهِ الِاخْتِيَارِيِّ فَيَنْتَفِي عَنْهُ عُذْرُ الضَّرُورَةِ المَكَانِيَّةِ، فَرَجَحَتْ جِهَةُ الفَصْلِ بَيْنَ الفِعْلِ الطَّبِيعِيِّ وَالبَشَرِيِّ احْتِيَاطًا لِأَمْوَالِ وَأَبْدَانِ الطَّهَارَةِ الشَّرِيفَةِ.
مثال 1 : أَنْ يَتَدَفَّقَ مَاءُ عَيْنٍ طَبِيعِيَّةٍ فَوْقَ عُرُوقٍ نُحَاسِيَّةٍ أَوْ كِبْرِيتِيَّةٍ فِي بَاطِنِ الأَرْضِ فَيَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ إِلَى الصُّفْرَةِ وَحُكْمُهُ بَاقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ يَصِحُّ بِهِ الوُضُوءُ وَالغُسْلُ وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ نَاتِجٌ عَنْ أَرْضِ مَنْبَعِهِ الَّتِي يَسْتَحِيلُ صَوْنُهُ عَنْهَا طَبِيعَةً.
مثال 2 : أَنْ يَمْكُثَ مَاءُ الأَمْطَارِ فِى غَدِيرٍ أَرْضِيٍّ جَوْفِيٍ فَتُحِيلَ التُّرْبَةُ الحَمْرَاءُ المُسْتَقِرَّةُ فِى قَاعِهِ لَوْنَ المَاءِ إِلَى الكُدُورَةِ وَحُكْمُهُ طَهُورٌ يُزِيلُ الخَبَثَ وَيَرْفَعُ الحَدَثَ وَذَهصرية
لِكَ لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ عَنْ مُمَازَجَةِ الأَرْضِ لِلْمَاءِ فِى مَقَرِّهِ الحِسِّيِّ.
مثال 3 : أَنْ يَجْرِيَ مَاءُ النَّهْرِ فَوْقَ سَبْخَةٍ مِلْحِيَّةٍ جَبَلِيَّةٍ خَلَقَهَا اللَّهُ فِى تِلْكَ الأَرْضِ فَيَكْتَسِبَ المَاءُ مُلُوحَةً ظَاهِرَةً فِي طَعْمِهِ وَحُكْمُهُ طَهُورٌ مُطْلَقٌ جَائِزٌ اسْتِعْمَالُهُ فِى العِبَادَاتِ وَذَلِكَ لِتَوَلُّدِ هَذَا المِلْحِ المَعْدِنِيِّ فِى مَجْرَاهُ الطبيعيِّ دُوْنَ صُنْعٍ بَشَرِيٍ
مثال 4 : أَنْ يَتَغَيَّرَ طَعْم المَاءِ المَوْجُودِ فِى الآبَارِ القَدِيمَةِ بِسَبَبِ طُولِ مُكْثِهِ فِى طَبَقَاتِ الجِيرِ وَالرُّخَامِ الأَرْضِيِّ المَبْنِيِّ فِيهِ وَحُكْمُهُ أَنَّهُ مَاءٌ صَالِحٌ لِلْطَّهَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ بِلَا كَرَاهَةٍ وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا التَّغَيُّرَ نَاشِئٌ عَنِ المُلازَمَةِ الدَّائِمَةِ بَيْنَ المَاءِ وَمَحَلِّ اسْتِقْرَارِهِ.
مثال 5 : أَنْ يَنْبَعَ مَاءٌ مِنْ بَيْنِ صُخُورٍ تُرَابِيَّةٍ مَمْزُوجَةٍ بِالمَغْرَةِ فَيَصِيرَ المَاءُ مُتَغَيِّرَ الرِّيْحِ بِرَائِحَةِ الطِّيْنِ الغَالِبَةِ وَحُكْمُهُ بَقَاءُ صِفَةِ التَّطْهِيرِ فِيهِ فَرْضًا وَنَفْلًا وَذَلِكَ لِجَرَيَانِ القَاعِدَةِ بِأَنَّ كُلَّ مَا غَيَّرَ المَاءَ مِمَّا هُوَ مِنْ أَجْزَاءِ الأَرْضِ فِى مَقَرِّهِ فَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ تَسْهِيلاً عَلَى المُكَلَّفِينَ.
نوازل
مثال 1 : أَنْ يَمْكُثَ المَاءُ مُدَّةً طَوِيلَةً دَاخِلَ خَرَاطِيمِ المِيَاهِ المَصْنُوعَةِ مِنَ المَطَّاطِ أَوْ المَوَادِّ البِلَاسْتِيكِيَّةِ فَيَتَغَيَّرَ طَعْمُهُ أَوْ رِيْحُهُ بِرَائِحَةِ المَطَّاطِ وَحُكْمُهُ بَاقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ يَصِحُّ بِهِ الوُضُوءُ وَالغُسْلُ وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ الخَرَاطِيمَ صَارَتْ بِمَنْزِلَةِ المَقَرِّ وَالوِعَاءِ لِلْمَاءِ فَيُعْفَى عَمَّا تَغَيَّرَ بِهَا لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ حَالَ حِفْظِهِ.
مثال 2 : أَنْ تَتَغَيَّرَ المِيَاهُ دَاخِلَ الصُّنْبُورِ وَالمَوَاسِيرِ الحَدِيدِيَّةِ بِسَبَبِ صَدَإِ الحَدِيدِ أَوْ طُولِ المُكْثِ فِيهَا فَيَمِيلَ لَوْنُهُ إِلَى الحُمْرَةِ أَوْ الكُدُورَةِ وَحُكْمُهُ طَهُورٌ يُزِيلُ الخَبَثَ وَيَرْفَعُ الحَدَثَ وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ المَوَاسِيرَ هِيَ مَجْرَى المَاءِ الضَّرُورِيُّ الَّذِي لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ لِلْوُصُولِ إِلَى البُيُوتِ فَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ المَجْرَى الأَرْضِيِّ فِى العَفْوِ تَيْسِيرًا.
مثال 3 : أَنْ يَسْتَقِرَّ المَاءُ فِى الخَزَّانَاتِ البِلَاسْتِيكِيَّةِ أَوْ الفَايْبَر جِلَاس فَيَتَغَيَّرَ طَعْمُهُ أَوْ رِيْحُهُ بِسَبَبِ حَرَارَةِ الشَّمْسِ المُؤَثِّرَةِ فِى جُدْرَانِ الخَزَّانِ وَحُكْمُهُ طَهُورٌ مُطْلَقٌ جَائِزٌ اسْتِعْمَالُهُ فِي العِبَادَاتِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الخَزَّانَ هُوَ مَقَرُّ المَاءِ المُعَدِّ لِلْخَزْنِ وَالتَّغَيُّرُ النَّاشِئُ عَنْ طُولِ المُكْثِ فِى المَقَرِّ المَصْنُوعِ لِلْحِفْظِ لَا يَضُرُّ فِى المَذْهَبِ لِعُسْرِ صَوْنِهِ.