قال الشيخ خليل : أَوْ بِمَطْرُوحٍ فِيهِ ولَوْ قَصْداً مِنْ تُرَابٍ أَوْ مِلْحٍ ،
والأَرْجَحُ السَّلْبُ بِالْمِلْحِ
وَفِي الاتِّفَاقِ عَلَى السَّلْبِ بِهِ إِنْ صُنِعَ تَرَدُّدٌFF
تُشيرُ هَذِهِ العِبَارَةُ عِنْدَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ إِلَى أَنَّ المَاءَ يَبْقَى طَهُوراً إِذَا تَغَيَّرَ بِالتُّرَابِ أَوِ المِلْحِ المَعْدِنِيِّ، حَتَّى لَوْ كَانَ هَذَا التَّغَيُّرُ نَاتِجاً عَنْ طَرْحِهِمَا فِيهِ "قَصْداً" مِنْ فِعْلِ الفَاعِلِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ يَسْتَنِدُ إِلَى الأُصُولِ التَّالِيَةِ:
أَوَّلًا: الِارْتِبَاطُ بِأَصْلِ الأَرْضِ (الجِنْسِيَّةُ)
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: التُّرَابُ وَالمِلْحُ المَعْدِنِيُّ هُمَا مِنْ "أَجْزَاءِ الأَرْضِ"، وَالأَرْضُ فِيهَا صِفَةُ التَّطْهِيرِ كَمَا فِي المَاءِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ × : «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
فَلَمَّا كَانَ التُّرَابُ مُطَهِّراً فِي نَفْسِهِ عِنْدَ فَقْدِ المَاءِ (بِالتَّيَمُّمِ)، فَإِنَّهُ إِذَا خَالَطَ المَاءَ لَمْ يَسْلُبْهُ صِفَةَ التَّطْهِيرِ لِاتِّحَادِهِما فِي الغَايَةِ، وَلِأَنَّ التُّرَابَ لَا يَغْلِبُ المَاءَ فِي مَاهِيَّتِهِ بَلْ يُكَدِّرُهُ فَقَطْ.
ثَانِيًا: حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ × فِي "مَاءِ البَحْرِ"
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ × فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ × ، إِنَّا نَرْكَبُ البَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا القَلِيلَ مِنَ المَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ البَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ × : «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» (رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ).
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: مَاءُ البَحْرِ مَاءٌ "مِلْحٌ" غَايَةَ المُلُوحَةِ، وَقَدْ أَقَرَّ النَّبِيُّ × طَهُورِيَّتَهُ رَغْمَ تَغَيُّرِ طَعْمِهِ بِالمِلْحِ؛ لِأَنَّ المِلْحَ مِنْ أَصْلِ مَقَرِّهِ، فَلَحِقَ بِهِ مَا طُرِحَ فِيهِ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ.
ثَالِثًا: القِيَاسُ عَلَى التَّيَمُّمِ
كَمَا أَنَّ التُّرَابَ يَقُومُ مَقَامَ المَاءِ فِي التَّطْهِيرِ (حُكْماً)، فَإِنَّ اخْتِلَاطَهُ بِهِ لَا يَنْقُضُ هَذَا الحُكْمَ. وَالطَّرْحُ "قَصْداً" لَا يُغَيِّرُ مِنْ حَقِيقَةِ التُّرَابِ بِأَنَّهُ طَهُورٌ، فَكَأَنَّكَ خَلَطْتَ طَهُوراً (مَاءً) بِطَهُورٍ (تُرَاباً).
قَوْلُ الشَّيْخِ خَلِيلٍ "وَلَوْ طُرِحَا" هُوَ مَحَلُّ خِلَافٍ بَيْنَ المَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ؛ فَالشَّافِعِيَّةُ يَرَوْنَ أَنَّ الطَّرْحَ قَصْداً يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ إِذَا كَانَ المُغَيِّرُ مِلْحاً مَصْنُوعاً. أَمَّا المَالِكِيَّةُ، فَمَشْهُورُ المَذْهَبِ عِنْدَهُمْ أَنَّ المِلْحَ (المَعْدِنِيَّ) وَالتُّرَابَ لَا يَسْلُبَانِ الطَّهُورِيَّةَ مُطْلَقاً لِقُوَّةِ شَبَهِهِمَا بِالمَاءِ فِي التَّطْهِيرِ.
التردُّدُ : - كَمَا شَرَحْتُهَا فِي كِتَابِي مَفَاتِيحِ مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ- تُشيرُ هَذِهِ العِبَارَةُ عِنْدَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ إِلَى "الرَّأْيِ الأَرْجَحِ" عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ مِنَ المَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ المِلْحَ إِذَا كَانَ "مَصْنُوعاً" (أَيْ طُعَامِيّاً أَوْ مُسْتَخْرَجاً بِالصَّنْعَةِ) وَطُرِحَ فِي المَاءِ قَصْداً فَغَيَّرَهُ، فَإِنَّهُ يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ وَيُصَيِّرُهُ مَاءً طَاهِراً لَا يُطَهِّرُ غَيْرَهُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا "الأَرْجَحِ" يَعْتَمِدُ عَلَى مَا يَلِي:
أَوَّلًا: خُرُوجُ المَاءِ عَنِ "الإِطْلَاقِ"
المَاءُ إِذَا غُيِّرَ طَعْمُهُ بِالمِلْحِ المَصْنُوعِ طَرْحاً، صَارَ يُسَمَّى "مَاءً مَالِحاً" أَوْ "مَاءَ مِلْحٍ"، وَلَمْ يَعُدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ "المَاءِ" بِلَا قَيْدٍ عِنْدَ العَرَبِ.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ يَتَنَاوَلُ المَاءَ المُطْلَقَ، وَهَذَا المَاءُ الَّذِي خَالَطَهُ المِلْحُ المَصْنُوعُ قَصْداً خَرَجَ عَنِ الإِطْلَاقِ لِأَنَّ المِلْحَ هُنَا صَارَ كَالزَّعْفَرَانِ وَالسُّكَّرِ، لَا كَالمِلْحِ الَّذِي هُوَ "مِنْ أَصْلِ المَقَرِّ".
ثَانِيًا: انْتِفَاءُ عِلَّةِ "عُسْرِ الِاحْتِرَازِ"
المَذْهَبُ قَرَّرَ أَنَّ المِلْحَ المَعْدِنِيَّ فِي مَقَرِّهِ لَا يَضُرُّ لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ (المَشَقَّةِ).
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: لَمَّا كَانَ هَذَا المِلْحُ "مَطْرُوحاً قَصْداً"، انْتَفَتْ عِلَّةُ المَشَقَّةِ وَعُسْرِ الِاحْتِرَازِ؛ لِأَنَّ الفَاعِلَ هُوَ مَنْ أَدْخَلَهُ عَلَى المَاءِ، فَلَحِقَ بِجِنْسِ الطَّاهِرَاتِ الأَجْنَبِيَّةِ الَّتِي تَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ إِذَا غَيَّرَتِ المَاءَ.
ثَالِثًا: القِيَاسُ عَلَى سَائِرِ المُغَيِّرَاتِ الطَّاهِرَةِ
كَمَا أَنَّ طَرْحَ الدَّقِيقِ أَوِ السُّكَّرِ فِي المَاءِ يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ إِذَا غَيَّرَهُ، فَكَذَلِكَ المِلْحُ المَصْنُوعُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جِرْمٌ طَاهِرٌ بَايَنَ المَاءَ فِي أَصْلِ خِلْقَتِهِ وَغَيَّرَهُ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ، فَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الغَالِبِ.
اسْتَعْمَلَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ لَفْظَ "الأَرْجَحُ" لِابْنِ يُونُسٍ لِيُشِيرَ إِلَى أَنَّ فِي المَسْأَلَةِ خِلَافاً قَوِيّاً دَاخِلَ المَذْهَبِ؛ حَيْثُ يَرَى ابْنُ القَاسِمِ (فِي إِحْدَى رِوَايَاتِهِ) أَنَّ المِلْحَ لَا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ مُطْلَقاً لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ المَاءِ (بِاعْتِبَارِ مَاءِ البَحْرِ)، لَكِنَّ المُحَقِّقِينَ مِنَ المَالِكِيَّةِ رَجَّحُوا السَّلْبَ فِي المَصْنُوعِ المَطْرُوحِ قَصْداً تَفْرِيقاً بَيْنَ مَا هُوَ طَبِيعِيٌّ وَمَا هُوَ مُكْتَسَبٌ.