جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.
..
..
..
..
..
~
..
..
..
..
..
انضم لطلبة العلم

الفرق بين تعريفات السنوسي والدرية في أقسام الحكم العقلي


تتفق تعريفات الحكم العقلي عند الإمام محمد بن يوسف السنوسي والشيخ أحمد الدردير في جوهرها، وإن اختلفت بعض العبارات. 
١. فالواجب العقلي
 عند السنوسي هو ما لا يتصور في العقل عدمه، 
ويعبر عنه الدردير بأنه ما لا يقبل الانتفاء عقلاً، وكلا التعريفين يرجع إلى معنى واحد وهو استحالة عدمه في حكم العقل. 
٢.  المستحيل العقلي 
فعند السنوسي هو ما لا يتصور في العقل وجوده،
وعند الدردير هو ما لا يقبل الثبوت عقلاً، 
والمقصود به ما يمتنع وجوده امتناعاً ذاتياً. 
٣.  الجائز العقلي
 فيعرفه السنوسي بأنه ما استوى طرفا وجوده وعدمه في حكم العقل،
 بينما يذكر الدردير أنه ما يقبل الوجود والعدم، فلا يلزم من وجوده ولا من عدمه محال.
 ومن ثم فإن الفرق بينهما في الصياغة والشرح أكثر منه في الحقيقة والمعنى، إذ كلاهما يعتمد التقسيم الثلاثي نفسه للحكم العقلي: الواجب، والمستحيل، والجائز.
مع اتفاق الإمام محمد بن يوسف السنوسي والشيخ أحمد الدردير في حقيقة أقسام الحكم العقلي، فإن بين عبارتيهما فرقاً دقيقاً من جهة قوة الدلالة. فالسنوسي يعرِّف الواجب بأنه: «ما لا يتصور في العقل عدمه»، ويعرِّف المستحيل بأنه: «ما لا يتصور في العقل وجوده»، فجعل مناط الحكم هو التصور العقلي؛ أي إن العقل إذا أدرك حقيقة الشيء امتنع عليه أن يتصور نقيضه. أما الدردير فيعبر عن الواجب بأنه «ما لا يقبل العدم»، وعن المستحيل بأنه «ما لا يقبل الوجود»، فجعل مناط الحكم القبول والإمكان الذاتي لا مجرد التصور.

ومن هنا يمكن القول إن تعبير السنوسي يركّز على الجانب الإدراكي والمنطقي للعقل، فيصف ما يبلغه العقل عند التأمل الصحيح، بينما تعبير الدردير يركّز على حال الماهية نفسها، وأنها غير قابلة للعدم أو للوجود بحسب نوع الحكم. ولهذا يرى بعض الباحثين أن عبارة الدردير أدق في بيان حقيقة الحكم على الشيء نفسه، في حين تمتاز عبارة السنوسي بسهولة التعليم وربط الحكم بعملية التعقل.

وأما في تعريف الجائز، فالسنوسي يقول: «ما استوى طرفا وجوده وعدمه في حكم العقل»، وهي عبارة تبين تساوي النسبتين وعدم ترجيح إحداهما ذاتاً. بينما يقال عند الدردير: «ما يقبل الوجود والعدم»، وهي صياغة أقصر لكنها لا تُظهر بوضوح معنى تساوي الطرفين كما أظهرته عبارة السنوسي. ولذلك فإن تعريف السنوسي للجائز يبدو أبلغ في إزالة توهم الميل إلى أحد الجانبين، لأنه ينص صراحة على استواء الوجود والعدم في حكم العقل.

وبناءً على ذلك، فإذا نظرنا إلى قوة الدلالة في تعريف الجائز فالراجح أن عبارة السنوسي أصرح وأدق، أما في الواجب والمستحيل فإن عبارة الدردير تمتاز بتركيزها على الإمكان الذاتي وعدم القبول، وإن كانت عبارة السنوسي أوضح من جهة ربط الحكم بالإدراك العقلي. والنتيجة أن التعريفين متقاربان جداً في المعنى، وإنما تختلف زاوية التعبير لا حقيقة المقصود.

يمكن إبراز فروق أخرى دقيقة بين العبارتين، وإن كانت لا تؤدي إلى اختلاف في المذهب أو النتيجة، وإنما في أسلوب التصوير والتقرير:

  1. السنوسي يصف فعل العقل، والدردير يصف حال المحكوم عليه.
    فعندما يقول السنوسي: «ما لا يتصور العقل عدمه» فالمحور هو التصور الذهني. أما قول الدردير: «ما لا يقبل العدم» فالمحور هو صفة الشيء نفسه، أي إن ذاته غير قابلة للعدم.

  2. عبارة الدردير أقرب إلى الإيجاز، وعبارة السنوسي أقرب إلى البيان.
    فلفظ «لا يقبل» مختصر، بينما «لا يتصور العقل عدمه» يوضح جهة الامتناع وأنها الامتناع العقلي لا العادي ولا الشرعي.

  3. في تعريف الجائز، عبارة السنوسي أدق في نفي الترجيح.
    فقوله: «استوى طرفا وجوده وعدمه» يفيد أن العقل لا يحكم بترجيح أحد الجانبين لذات الشيء. أما عبارة «يقبل الوجود والعدم» فقد يتوهم منها مجرد الإمكان، دون التصريح باستواء الطرفين، وإن كان هذا الاستواء مفهوماً عند أهل الفن.

  4. عبارة السنوسي أقل احتمالاً للالتباس عند المبتدئ.
    لأن لفظ «لا يقبل» قد يحتاج إلى بيان: من الذي لا يقبل؟ أما قوله: «لا يتصور العقل» فيحدد مباشرة أن الكلام عن الحكم العقلي.

  5. من جهة الصناعة المنطقية، عبارة الدردير أقرب إلى بيان الإمكان والامتناع الذاتي.
    فهي تجعل الواجب ما يمتنع عدمه لذاته، والمستحيل ما يمتنع وجوده لذاته، والجائز ما يقبل الأمرين لذاته، وهذا أسلوب ينسجم مع تقسيمات المناطقة.

ومع ذلك، فلو أردت الترجيح من حيث الدقة التعليمية فتعريف السنوسي للجائز بعبارة «استوى طرفا وجوده وعدمه» يعد من أجود الصياغات لأنه يرفع احتمال توهم رجحان أحد الجانبين. أما في الواجب والمستحيل، فلكل من العبارتين مزية: عبارة السنوسي أوضح في ربط الحكم بإدراك العقل، وعبارة الدردير أدق في التعبير عن الإمكان والامتناع الذاتي للمحكوم عليه.


👁️ الـمشاهدون: جاري الحساب...
🎓 عدد حضور الأعضاء لجميع الدروس: ...
0