إن من أبرز الأخطاء التي يقع فيها بعض الخصوم تصويرُ الأشاعرة على أنهم مجرد مقلدين للإمام أبي الحسن الأشعري في كل ما قاله، مع أن الواقع التاريخي والعلمي يشهد بخلاف ذلك.
فقد خالف كبار أئمة الأشاعرة أبا الحسن الأشعري في مسائل عديدة، ولا سيما في بعض مباحث الصفات والأحوال والبقاء والاستطاعة وغيرها، كما هو ظاهر في كلام إمام الحرمين، والغزالي، وابن العربي، والفخر الرازي، والسبكي، وغيرهم. ولم ير أحد منهم أن الانتساب إلى المدرسة الأشعرية يوجب الالتزام بكل قول قاله مؤسسها، بل كانوا ينظرون في الأدلة ويرجحون ما ظهر لهم أنه الحق.
وهذا في الحقيقة من أعظم الأدلة على أنهم لم يكونوا مقلدين، وإنما كانوا أهل اجتهاد ونظر. إذ لو كانوا مقلدين للأشعري في كل ما يقول، لما خالفوه في تلك المسائل الكثيرة. بل إن مخالفتهم له دليل على استقلالهم العلمي وبلوغهم رتبة الاجتهاد.
ومن هنا تظهر فائدة أصولية مهمة، وهي أن المجتهد لا يقلد غيره فيما يقدر على النظر والاجتهاد فيه، وإنما يتبع ما أدى إليه دليله. ولذلك فإن مخالفة هؤلاء الأئمة لشيخهم ليست قدحًا فيهم ولا فيه، بل هي منقبة تدل على تحريهم الحق واتباعهم للدليل.
غير أن هذا الخلاف لا ينبغي تصويره على أنه خلاف تضاد يهدم المذهب أو ينقض أصوله، بل هو في أكثره خلاف تنوع واجتهاد داخل الإطار الأشعري العام، نشأ عن استمرار البحث والتنقيح وتحقيق الأدلة. فالمدرسة الأشعرية لم تتجمد عند مرحلة تاريخية معينة، وإنما مرت بمسيرة علمية طويلة شارك فيها أئمة كبار، فهذّبوا بعض العبارات، وحرروا بعض المسائل، ورجحوا ما رأوه أقرب إلى الدليل العقلي والنقلي، حتى استقر كثير من مباحثها عند المتأخرين على صيغ أكثر إحكامًا وانسجامًا.
ومن هذه الجهة يمكن النظر إلى تاريخ المذهب بوصفه تاريخًا للتطوير العلمي والتدقيق المنهجي، لا تاريخًا للتناقض أو الاضطراب. فحيث ظهر الدليل دار معه المحققون من أئمته، ولم يترددوا في مراجعة ما يحتاج إلى مراجعة، مما أكسب البناء الكلامي الأشعري قدرًا كبيرًا من التماسك المنطقي والعقلي، وجعل كثيرًا من الاعتراضات المثارة عليه مبنية على أقوال قديمة أو عبارات لم تعد هي المعتمدة عند كبار المحققين من المتأخرين.
وفي المقابل، فإن العامي أو من لم يبلغ رتبة الاجتهاد فرضه سؤال أهل العلم وتقليد من يثق بعلمه ودينه، كما قرره جمهور الأصوليين. فليس كل أحد مطالبًا بالاجتهاد، وإنما الواجب على كل مكلف ما يناسب قدرته ومنزلته العلمية.
وعليه، فإن تقليد العوام لهؤلاء الأئمة الراسخين في العلم تقليد صحيح في محله، أما هم أنفسهم فلم يكونوا مقلدين، بل كانوا أئمة مجتهدين، ومن الخطأ أن يُجعل انتسابهم إلى الأشعري دليلاً على الجمود على جميع آرائه أو التسليم بكل ما ذهب إليه.
ومن الطريف أن بعض من يهاجم الأشاعرة بحجة أنهم "يقلدون الأشعري" يتغافل عن هذه الحقيقة التاريخية الواضحة، وهي أن كبار الأشاعرة أنفسهم ناقشوا إمامهم وخالفوه في غير مسألة، بينما يبقى التقليد الحقيقي هو التزام أقوال شخص بعينه دون نظر ولا اجتهاد.
فالإنصاف يقتضي الاعتراف بأن المدارس العلمية الكبرى لا تقوم على تقليد الأشخاص، وإنما تقوم على الأصول والمناهج، مع بقاء باب البحث والترجيح مفتوحًا لأهل النظر، ولذلك بقيت المدرسة الأشعرية عبر القرون مدرسةً علميةً حيةً أنتجت آراءً متعددة داخل إطارها، ولم تكن يومًا نسخًا مكررة من أقوال الإمام أبي الحسن الأشعري.