يمتنع أن يكون الله تعالى مركبًا من أجزاء لعدة براهين عقلية:
1. لأن المركب مفتقر إلى أجزائه؛ فالكل لا يوجد إلا بوجود أجزائه واجتماعها. وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن الوجود، لا واجب الوجود. والله تعالى واجب الوجود بنفسه، فلا يفتقر إلى شيء.
2. ولأن المركب يحتاج إلى مُركِّب يجمع أجزاءه ويؤلف بينها. فلو كان الله مركبًا لاحتاج إلى من ركبه، فيكون غيره أولى بالإلهية، وهذا باطل.
3. ولأن الأجزاء إما أن تكون قديمة أو حادثة:
فإن كانت حادثة، كان المركب حادثًا.
وإن كانت قديمة، لزم تعدد القدماء، وهو منافٍ للتوحيد.
4. ولأن كل جزء غير الآخر، فيلزم أن يكون كل جزء فاقدًا لما عند الجزء الآخر، فيكون كل واحد ناقصًا، والمركب إنما يكمل باجتماع أجزائه. والله تعالى منزه عن كل نقص.
5. ولأن التركيب يستلزم القابلية للانفصال والانقسام، وكل ما يقبل الانقسام والتفرق ليس واجب الوجود لذاته، بل هو قابل للتغير والزوال، والله سبحانه منزه عن ذلك.
ولهذا كان من لوازم صفة الوحدانية عند الأشاعرة نفي التركيب عن الله تعالى، سواء كان تركيبًا من أجزاء حسية، أو من مادة وصورة، أو من جنس وفصل، أو من أي معنى يقتضي الافتقار والتعدد.
فالخلاصة: كل مركب مفتقر، وكل مفتقر ممكن، والله واجب الوجود غني عن كل ما سواه؛ لذلك يستحيل أن يكون مركبًا من أجزاء.
ولماذا لا يجوز أن يكون الله هو الذي خصَّص نفسه بهذا التركيب، فلا يحتاج إلى مُركِّب غيره؟
فهذا لا يدفع الإشكال، وبيانه من وجهين:
الأول: أن التركيب نفسه افتقار، سواء قيل إن الذي ركَّبه غيره أو ركَّب نفسه. لأن المركب لا يتحقق إلا باجتماع أجزائه، فهو متوقف عليها، وما كان متوقفًا على غيره فليس غنيًا بنفسه. ووجوب الوجود يقتضي الغنى المطلق.
الثاني: أن قولنا: "خصص نفسه" يقتضي وجود ذات قبل التخصيص ثم انتقالها إلى حالة أخرى، وهذا انتقال من حال إلى حال، وهو تغير. وكل تغير يدل على أن الحالة الجديدة لم تكن ثم حصلت، وما يقبل الحدوث والتغير ليس واجب الوجود.
ولهذا فإن الأشاعرة لا يجعلون امتناع التركيب مبنيًا فقط على الاحتياج إلى مُركِّب، بل على أن ذات المركب مفتقرة إلى أجزائها، والافتقار ينافي وجوب الوجود.
فالحاصل أن سؤال: "لماذا لا يكون هو خصص نفسه بذلك؟" لا يرفع الإشكال؛ لأن الإشكال ليس فقط في الفاعل، وإنما في حقيقة التركيب نفسها، فإنها تقتضي الافتقار، والله سبحانه واجب الوجود غني عن كل ما سواه.